الاثنين، 6 مايو، 2013

الملتقى الدولي الأول الموسوم بـ : التحديات و الرهانات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا بين فرص الاحتواء و مخاطر الانتشار


الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
جامعة 20 أوت 1955-  سكيكدة
كلية الحقـوق و العـلوم السياسـية
قسم العلوم السياسية
ينظم :الملتقى الدولي الأول الموسوم  بـ :

التحديات و الرهانات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا
بين فرص الاحتواء و مخاطر الانتشار
يومي : 19 و 20  نوفمبر 2013

تشهد البيئة العالمية منذ بداية القرن الواحد و العشرون تنام لمجموعة من التحديات و التهديدات الأمنية ذات أبعاد مختلفة، ومستويات متباينة من إقليم لآخر ومن دولة لأخرى، ودول منطقة شمال إفريقيا باعتبارها جزء يتفاعل ضمن تلك البيئة العالمية المضطربة، جعلها تتعرض لمجموعة من التحديات الأمنية تباينت من حيث طبيعتها بين ما هي سياسية، عسكرية، اقتصادية- تنموية، اجتماعية وثقافية، وكذا من حيث مصادرها( جنوبا- منطقة الساحل الإفريقي- وما تفرزه من تهديدات أمنية ينحو طريقها الأول نحو الانتشار في دول منطقة شمال إفريقيا، متمثلا في ظاهرة الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، النزاعات وما تولده من إشكالية اللاجئين، الجريمة المنظمة.... ناهيك عن الأزمة التي تشهدها مالي و تداعياتها على الأمن و الاستقرار في المنطقة، شرقا- الشرق الأوسط وما يشهده من تحديات، غربا- المحيط الأطلسي وما يحمله من ضغوطات القارة الأمريكية و شمالا و ما تفرضه الدول الأوروبية من سياسات واستراتيجيات تجعل من المنطقة بمثابة الحاجز في وجه التهديدات  القادمة من الجنوب، ضف إلى ذلك التحديات الداخلية التي يعرفها الإقليم من تحول في الأنظمة السياسية و توترات حدودية، عدم نجاعة البرامج التنموية...)، كل هذه التحديات تستدعي من دول شمال إفريقيا وضع وإتباع استراتيجيات محددة و دقيقة قادرة على استيعاب تلك التحديات وتحقيق الاستجابة المثلى لها .
     حيث تشكل دول منطقة الشمال الإفريقي وحدة جغرافية موحدة، تتشارك أحداثا تاريخية و تتقاسم العديد من القيم كاللغة ، الدين و البعد الهوياتي المشترك ، و رغمتوفر هذه العوامل التي تصنف ضمن خانة المعطيات الداعمة للتقارب و الاندماج بين الدول، فإن وتيرة التكامل في المنطقة كانت و لا تزال تسير بخطى بطيئة جدا عكس ما نلاحظه من تطور كبير في العديد من النماذج التكاملية عالميا و إقليميا، و التي قدمت أمثلة واضحة عن نجاعة هذه الآلية في تجاوز التحديات المشتركة داخل نفس الإقليم، إضافة إلى تطور العلاقات الإقليمية من إطارها التقليدي القائم على مبدأ التقارب الجغرافي إلى إطارها الحديث في إطار ما يعرف بالإقليمية الجديدة.
           و منه فالتحديات الأمنية الراهنة التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا، صارت تشكل مدعاة لإعادة النظر في طبيعة و مستوى العلاقات بين دول المنطقة، خاصة في ظل تشعب مصادر و طبيعة هذه التحديات، التي يصعب على دولة بمفردها مواجهتها و هو ما يتطلب تبني استراتيجيات إقليمية موحدة و متكاملة لبناء السلم و الأمن. و من هذا المنطلق نطرح الإشكالية التالية:
          ما مدى ملاءمة الاستراتيجيات المتبعة في مواجهة التهديدات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا و التحديات المطروحة أمامها ؟ بمعنى آخر هل يمكن للإستراتيجيات المتبعة أن تحد من مخاطر انتشار هذه التهديدات و التحديات في طريق بناء السلم و الأمن في المنطقة؟
أهداف الملتقى
         في هذا الإطار و استكمالا لأهداف الملتقى السابق الذي عقد على مستوى الكلية يومي 24 و25 أفريل 2012 ، يهدف هذا الملتقى للوقوف على أهم التحديات التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا بمختلف أبعادها، و التي جعلت من المنطقة أكثر انكشافا تجاه الأخطار و كذا الاستراتيجيات و التدخلات الخارجية.
        محاولة رصد وتقديم قراءة في واقع الإستراتيجيات المتبعة محليا، إقليميا و دوليا لمواجهة التحديات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا، و انعكاسات ذلك على واقع العلاقات البينية و الإقليمية.
       دراسة إمكانات احتواء التحديات الأمنية و احتمالات انتشارها
محاور الملتقى
المحور الأول:الأطر و المقاربات النظرية و المفاهيمية
       - الأبعاد النظرية والمفاهيمية للأمن ( التهديدات ، المخاطر، التحديات و الرهانات)
       - دراسة جيوسياسية لمنطقة شمال إفريقيا
المحور الثاني:التحديات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا
       - التحديات ذات الطابع السياسي-العسكري ( تحدي بناء الدولة، تحدي دول الجوار،  التهديدات العابرة للحدود)
       - التحديات ذات الطابع الاقتصادي
       - التحديات ذات الطابع الاجتماعي- الثقافي
المحور الثالث:الاستراتيجيات المنتهجة لمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة
        - الاستراتيجيات المنتهجة من قبل دول المنطقة -  الإستراتيجيات الوطنية-
        - الاستراتيجيات الإقليمية
        - الاستراتيجيات الدولية
المحور الرابع: تأثير التحديات الأمنية على مستقبل منطقة شمال إفريقيا في إطار التكامل و الأمن الإقليمي
        - المقاربة التنموية في معالجة  التحديات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا
        - تأثير التحديات الأمنية على المسار التكاملي في منطقة شمال إفريقيا
        - تأثير التحديات الأمنية على مفهوم الأمن الإقليمي في منطقة شمال إفريقيا
- رهانات بناء السلام في منطقة شمال إفريقيا
الإشراف و التنظيم
الرئيس الشرفي للملتقى:
أ. د علي قوادرية ، رئيس جامعة 20 أوت 1955- سكيكدة
رئيس  الملتقى : الدكتور نور الدين  بوالصلصال

اللجنة العلمية للملتقى
أ د. عبد الحق بن جديد ، جامعة باجي مختار ...................... عنابة  ...................................................... ....... رئيسا
أ.د. حسين بوقارة، جامعة الجزائر 3  .................................................الجزائر.............................................................. عضوا
أ.د. رياض بوريش ، جامعة قسنطينة 3..................................... قسنطينة..................................................... عضوا
أ.د. حسن نافعة ، جامعة القاهرة  ..................................................... - جمهورية مصر العربية - ................ عضوا
أ. د. زيدان خوليف، جامعة السوربون.............................................- فرنسا .............................................................. عضوا
أ.د. إسماعيل  قيرة ، جامعة 20 أوت 1955 -   ...................... سكيكدة..............................................عضوا
أ.د. حسين قادري ، جامعة  الحاج لخضر    ................................. باتنة................................................................... عضوا
أ.د. مصطفى بخوش ، جامعة الملك فيصل.............................  - المملكة السعودية-   ....................عضوا
أ.د. عمر فرحاتي ، جامعة محمد خيضر  ................................... بسكرة.........................................................عضوا
أ.د. وليد عبد الحي ، جامعة اليرموك.............................................. -  المملكة الأردنية-  .........................عضوا
أ.د. مصطفى صايج ، جامعة الجزائر3.......................................... الجزائر..............................................................عضوا
أ.د. نيفين عبد المنعم مسعد، جامعة القاهرة . ................... - جمهورية مصر العربية - ..............عضوا
أ.د. ادريس لكريني، جامعة القاضي عياض - مراكش   -  المملكة المغربية -..............عضوا
أ.د. عماد جاد،مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية جمهورية مصر . ..عضوا
أ.د. عمار جفال ، جامعة الجزائر 3  .....................................................الجزائر.............................................................. عضوا
أ.د. عبد الكريم كيبش ، جامعة قسنطينة 3  ............قسنطينة......................................................عضوا
د. نور الدين بو الصلصال ، جامعة 20 أوت 1955 -   ...... سكيكدة..............................................عضوا
د. يوسف بو القمح ، جامعة 20 أوت 1955....................... سكيكدة.............................................عضوا
د. زهير بوعمامة  ، جامعة باجي مختار....................................عنابة.................................................................عضوا
د. نور الدين فليغة، جامعة 20 أوت 1955 ............................. - سكيكدة...........................................عضوا
د. وداد غزلاني ، جامعة 08 ماي 1945 ....................................... قالمة ................................................................عضوا
اللجنة التنظيمية  للملتقى

أ . مراد شحماط  .................. ....................رئيسا
أ . فيصل بوصيدة  ...............................عضوا
أ . جمال قروف. ............................ ................. عضوا
أ . فاطمة الزهراء بن يوسف....عضوا
أ . عبد السلام دخيل........................ عضوا
أ . آمنة عيساوة.......................................... عضوا
أ . فيصل بوالجدري...............................عضوا
أ . نبيل بويبية...............................................عضوا
أ .   عادل قرانة  .............................................عضوا
أ . سيف الاسلام عبادة....................عضوا
أ . محسن الهاشمي خنيش......... عضوا
أ .  محمد بن مشيرح ........................... عضوا
أ . زهية قربوع  ............. ............................... عضوا
أ . حواء  برحال........................... .....................عضوا
أ . لبنى  جصاص............................ ...........عضوا


شروط المشاركة في الملتقى
-  أن يكون البحث ضمن أحد محاور الملتقى، وأن لا يكون منشورا أو تم الاشتراك به في ملتقى سابق.
-  تحرر المداخلات بخط Traditional Arabic بحجم 16و الهوامش بحجم 12أسفل كل صفحة بطريقة آلية على نظام وورد2007، ثم قائمة عامة للمصادر والمراجع  في آخر البحث بطريقة علمية منهجية.مرفقا بملخص بالعربية و آخر بلغة أجنبية
-  ألا تقل المداخلة  عن 15 صفحة وألا   تتعدى  25 صفحة على الأكثر.
-  لا تقبل المداخلات المشتركة، ولا الملخصات أو المداخلات التي لا ترد في المواعيد المحددة
-  تتحمل الجهة المنظمة نفقات الإطعام والإقامة  لأصحاب الملخصات و المداخلات المقبولة
-  يكون الملخص في حدود صفحة  متضمنا عنوان البحث ومحور المشاركة و معلومات  الباحث، درجته العلمية، الهيئة المستخدمة ، الهاتف  والبريد الإلكتروني ( إجباريا)

تواريخ مهمة
آخر أجل لاستقبال الملخصات :                                                              31 ماي 2013
تاريخ الرد على الملخصات المقبولة:                                                   15 جوان 2013
آخر أجل لاستقبال المداخلات كاملة :                                       15 سبتمبر 2013
يتم  توجيه الدعوات                                                      منتصف شهر أكتوبر 2013
يتم استقبال الملخصات،البحوث كاملة  و الاستفسارات على البريد الإلكتروني :






http://fdsp.univ-skikda.dz/
التحديات و الرهانات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا
بين فرص الاحتواء و مخاطر الانتشار
يومي 19/20 نوفمبر 2013 لتحميل المطوية إضغط هنـــا
http://www.mediafire.com/?9z2kk97eq1bk2ee



الخميس، 9 ديسمبر، 2010

يا أوباما



قَرْعُ طَناجِرِكُمْ في بابي
أرهَقَني وَأطارَ صَوابي..
(افعَل هذا يا أوباما..
اترُك هذا يا أوباما
أمطِرْنا بَرْداً وسَلاما
يا أوباما.

وَفِّرْ للِعُريانِ حِزاما!
يا أوباما.
خَصِّصْ للِطّاسَةِ حَمّاما!
يا أوباما.
فَصِّلْ للِنَملَةِ بيجاما !
يا أوباما..)

قَرقَعَة تَعلِكُ أحلاما
وَتَقيء صَداها أوهَامَا
وَسُعارُ الضَّجّةِ مِن حَوْلي
لا يَخبو حتّى يتنامى.
وَأنا رَجْلُ عِندي شُغْلٌ
أكثَرُ مِن وَقتِ بَطالَتكُمْ
أطوَلُ مِن حُكْمِ جَلالَتِكُمْ
فَدَعوني أُنذركُمْ بِدءاً
كَي أحظى بالعُذْر ختاما:

لَستُ بِخادمِ مَن خَلَّفَكُمْ
لأُسَاطَ قُعوداً وَقياما.
لَستُ أخاكمْ حَتّى أُهْجى
إن أنَا لَمْ أصِلِ الأرحاما.
لَستُ أباكُمْ حَتّى أُرجى
لأكِونَ عَلَيْكُمْ قَوّاما.

وَعُروبَتُكُمْ لَمْ تَختَرْني
وَأنا ما اختَرتُ الإسلاما!
فَدَعوا غَيري يَتَبَنّاكُمْ
أو ظَلُّوا أبَداً أيتاما!

أنَا أُمثولَةُ شَعْبٍ يأبى
أن يَحكُمَهُ أحَدّ غَصبْا..
ونِظامٍ يَحتَرِمُ الشَّعبا.
وَأنا لَهُما لا غَيرِهِم
سأُقَطِّرُ قَلبي أنغاما

حَتّى لَو نَزَلَتْ أنغامي
فَوقَ مَسامِعِكُمْ.. ألغاما!
فامتَثِلوا.. نُظُماً وَشُعوبا
وَاتَّخِذوا مَثَلي إلهاما.
أمّا إن شِئتُمْ أن تَبقَوا
في هذي الدُّنيا أنعاما
تَتَسوَّلُ أمْنَاً وَطَعاما
فَأُصارِحُكُمْ.. أنّي رَجُلُ
في كُلِّ مَحَطّاتِ حَياتي
لَمْ أُدخِلْ ضِمْنَ حِساباتي
أن أرعى، يوماً، أغناما!

الأربعاء، 8 ديسمبر، 2010

__مبدأ تدرج القواعد القانونية وآثاره على الوظيفة القضائية 2006


إعداد الطالب القاضي:
◄أحمد حميودة

المقدمة


"إن الدستور يجسم عبقرية الشعب الخاصة، ومرآته الصافية التي تعكس تطلعاته و ثمرة إصراره ونتائج التحولات الاجتماعية العميقة التي أحدثها، وبموافقته عليه يؤكد بكل عزم وتقدير أكثر من أي وقت مضى سمو القانون"
بهذه الكلمات كشف الدستور الحالي في ديباجته اعتناقه لمبدأ(سمو القانون )أو(مبدأ المشروعية) باعتباره قمة الضمانات الأساسية لحقوق الإنسان وما ينبثق عنها من حقوق وحريات، إذ يبلور هذا المبدأ أحد عناصر دولة القانون وأساس تميزها عن دولة الواقع البوليسية أو الاستبدادية، ومن المستقر عليه أن سيادة أو سمو القانون تتحقق بخضوع كل السلطات العامة في الدولة للقانون خضوع المحكمين له، وذلك أن الدولة لا تكون قانونية إلا حيث تخضع فيها جميع الهيئات العامة لقواعد القانون في جميع مظاهر نشاطها، وهو ما سوف يترتب عليه ضمان وحماية الحقوق والحريات من أي تعسف أو تغول ، باعتبار ذلك يمثل الهدف المرجو والغاية المبتغاة من بناء دولة القانون.
وفي الحقيقة إن القانون بمعناه الواسع هو في جوهره تعبير عن إرادة الدولة، فهذه الإرادة دون غيرها تمثل المصدر الوحيد للقواعد القانونية، ولكن الدولة لا تعبر عن إرادتها بأسلوب واحد بعينه، وإنما تخـتلف طرق التعبـير عن إرادة الدولة باختلاف السلطة العامة الموكل إليها التعبـير عن هذه الإرادة ، ومن هنا تتعدد مصادر القاعدة القانونية .
وإذ لا يقتصر إنشاء القواعد القانونية على سلطة أو هيئة عامة واحدة في الدولة، فإنه يكون محتملا وقوع التعارض أو التناقض بين هذه القواعد، ومن ثم التنازع بين السلطات أو الهيئات التي تولت تقريرها، وليس من شك في أن ظاهرة (التعارض القانوني) تشكل مفترضا عاما وشاملا ( )، ذلك أن القانون الوضعي من إنشاء بشري، وأن الجهات المنشئة لهذا القانون متعددة، وهو ما يجعل تعارض القواعد القانونية الوضعية ظاهرة عامة وشاملة تعرفها كل الأنظمة القانونية.
ولذلك لم يكن غريبا أن يقف غالبية الفقه في وجه نظرية (كمال التشريع) ( )التي ظهرت في ألمانيا كأثر الفلسفة هيغل، التي تأثر بها الفقه القانوني ولا زال البعض يرددها ومن هؤلاء الفقيه الكبير كلسن، فهذه النظرية لقيت من النقد ما لم تلقه نظرية غيرها، ذلك أنها لا تعترف بقصور التشريع لنقص في النصوص أو غموضها أو تعارضها، وفي ذلك تناقض مع طبيعة الأشياء ومجافاة للمنطق، نظرا للطابع البشري للتشريع، ولتعدد الهيئات الموكل لها سن القواعد القانونية في الدولة، وبالطبع لا يمكن للقائمين على صناعة القواعد القانونية استيعاب مضمون النظام القانوني ككل، وهو ما سوف يترتب عليه بالطبيعة التعارض بين القواعد القانونية، ومفاد ذلك أن ظاهرة تناقض القواعد القانونية أمر لا مناص منه، مما يفرض التساؤل عن الآليات الكفيلة بإزالة هذا التعارض ؟ وبصورة خاصة ما هو دور القضاء في هذا الشأن؟
ومن الواضح أن هذه الظاهرة قد لا تكون مشكلة، وذلك إذا كان التعارض بين نص عام وآخر خاص أو بين نص سابق وآخر لا حق، إذ سوف يعمد القاضي إلى مبدأ النص الخاص يقيد النص العام بالنسبة للحالة الأولى، مبدأ النص اللاحق يلغي السابق بالنسبة للحالة الثانية، ويستبعد أحد النصين ليطبق النص الثاني على القضية المعروضة عليه، ولكن الإشكال قد يثور بصدد قواعد قانونية ليست لها نفس المرتبة الإلزامية، فيكون أحدها نص دستوريا أو اتفاقيا دوليا والثاني نصا تشريعا عاديا أو لائحيا، أو يكون أحدها نصا تشريعيا والثاني لائحيا، فما هي الآلية القانونية الكفيلة بحل هذا التعارض؟
ولابد من التأكيد على أن التزام القاضي بحل إشكالية التعارض القانوني بين النصوص القانونية غير المتساوية في المرتبة الإلزامية ليست مزية منه، بل هو التزام قانوني ملقى على عاتقه وذلك لعدة اعتبارات أهمها :
أولا: أن القاضي هو حجر الزاوية، والضمانة الأكيدة لبناء دولة القانون، هذه التي لا معنى لها أمام عدم انسجام التنظيم القانوني للدولة، فجوهر وظيفة القاضي تطبيق القانون بمعناه الواسع، وليس له حرية تطبيق بعض القوانين والإعراض عن بعض أو تعطيله دون مسوغ مشروع، فمن أخص مهامه تحقيق وحدة النظام القانوني وتكامله، ومفاد ذلك انه غير جائز للقاضي الاحتجاج بوجود قاعدتين متناقضتين أو متعارضتين، بل واجبه هو التوفيق بينهما أو حل هذا الإشكال، لآن القول بغير ذلك يمثل إخلالا بمبدأ الشرعية وإنكارا للعدالة، فالقاضي هو السلطة المنوط بها تفسير القانـون وتطـبيقه، وعليه إذا ما عرض له عارض أي إذا ما اكتشف غموضا أو تعارض أو نقصا في التشريع الذي يهم بتطبيقه أن يتصدى لهذا العارض، ويسعى إلى إزالته ليمهد السبيل إلى التطبيق الصحيح للقانون، ولا شك أنه يؤدي هذا الدور ويقوم بهذا الواجب وفقا لضوابط قانونية محددة لا تفسح مجالا لتعسف.
ثانيا: أن القاضي يجب عليه العمل على تحقيق العدالة في كل قضية يفصل فيها، وذلك من خلال تطبيقه القانون( )، هذا الأخير الذي يندرج ضمنه كل القواعد القانونية العامة والمجردة، وهي التي تعارضت بينها فأي القواعد القانونية سيطبق ؟
لابد أن التزام القاضي بتحقيق العدالة والعمل على تحقيقها في كل قضية، يفرض عليه الفصل في هذا الإشكال وفق معيار محدد، يجعل حكمه مسببا وبالتالي محصنا ضد النقض والإبطال من الجهات القضائية العليا، ولا بد أنه سيصل لاستبعاد إحدى هذه القواعد القانونية ليطبق الأخرى بما يراه محققا للعدالة وموافقا للقانون.
ثالثا: وأن القاضي ملتزم بالإجابة على كل الدفوع تحت طائلة عدم التسبيب الذي يجعل حكمه معرضا للنقض والإبطال، فإذا أثير أمامه دفع من أحد المتقاضين بأن النص المراد تطبيقه عليه مخالف للنص الذي يعلوه في الدرجة مما يجعله غير دستوري أو غير مشروع ، فإن القاضي ملزم بالرد على هذا الدفع طالما رآه جديا.
وعلى ذلك، فإن القاضي يطبق القانون بالمفهوم الذي ينصرف للقواعد القانونية، مهما كان مصدرها دستورا أو تشريعا عاديا أو فرعيا أو مبادئ عامة للقانون أو عرفا أو اتفاقيات دولية أو مبادئ العدالة والقانون الطبيعي، فالقاضي مطالب بتطبيق كل هذه القواعد القانونية، وهي التي قد تتعارض وعليه أن يحدد أيها يجب استبعاده، وأيها يجب تطبيقه، وهو ما يفرض البحث عن آلية موحدة يلتزم بها القضاة في هذا المجال، سعيا لانسجام الأحكام القضائية وتوحيد الاجتهاد القضائي، ومن هنا بدت ضرورة التوصل إلى قاعدة ما تحقق في آن واحد الترابط بين كافة القواعد القانونية التي يتكون منها التنظيم القانوني للدولة، وحل إشكاليات واحتمالات وقوع التعارض آو التناقـض فيما بين هذه القواعـد، وقد تحقق ذلك فعلا عن طريق تقرير قاعدة أو مبدأ (تدرج القواعد القانونية )( )، وهو من أهم المبادئ التي أسفر عنها الأخذ بمبدأ المشروعية في الدولة القانونية، ذلك انه إذ كان مقتضى مبدأ المشروعية خضوع كل من في الدولة سلطات عامة وأفراد لأحكام القانون- بمعناه الواسع -واحترام الأفراد للقانون أمر تكفله السلطة العامة بما تملكه من وسائل الجبر والإلزام، ويبقى التساؤل حول الآلية الكفيلة بإلزام السلطات العامة بالخضوع لأحكام القانون؟
ولذلك فإنه تأسيسا على مقتضيات مبدأ المشروعية ولكفالة احترام السلطات العامة للقانون والالتزام بأحكامه استقر الأمر على أن ذلك يكفله مبدأ تدرج القواعد القانونية، فكيف يحدث ذلك؟
هذا الإشكال تناوله الفقه والقضاء المقارن واستقر فيه على موقف ثابت ومستقر، بينما لا يزال القضاء الجزائري يراوح مكانه بالنسبة لهذا الموضوع إذ لم نجد سوى عدة قرارات قضائية تشير إلى هذه المسألة وتكرس هذا المبدأ، والحقيقة انه لم يبق أي تبرير أمام القضاء الجزائري حتى لا ينخرط في هذا المسار، وخصوصا في إطار المسعى الحالي للسلطات العامة الإصلاح العدالة، كإحدى آليات تكريس دولة القانون وبناء الحكم الراشد.
وبناء على ذلك فإن القاضي الجزائري مطالب اليوم بأن يكون شجاعا، ويساهم بفعالية في هذا المسعى بالعمل على تحقيق انسجام النظام القانوني للدولة، وذلك بإزالة التعارض القانوني كلما طرح عليه هذا الإشكال، وبالطبع فإن وسيلته في ذلك هي (مبدأ تدرج القواعد القانونية ) الذي سيجد فيه حلا لإشكال التعارض، بما يجعله يضحي بالقانون الأدنى فيستبعده لصالح القانون الأسمى الذي يعتمده لحل النزاع المعروض عليه، ولا شك أن هذا الطرح يبدو بسيطا عند إطلاقه بعمومه، ولكن عند التفصيل والتطبيق يثير جملة من الإشكاليات والاعتراضات، التي تصل أحيانا لحد الإطاحة بالمبدأ وإعادة النظر في مضامينه ونتائجه .
إن هذا الموضوع يفرض نفسه ليس فقط لندرة الدراسات حوله وخصوصا في الجزائر، بل ولعلاقته المباشرة بالعمل القضائي باعتباره الوسيلة الوحيدة لحل عديد الإشكاليات التي تـثار أمام القاضي يوميا، وهو إحدى الوسائل لتأكيد سلطة القضاء المستقلة وتوسيع مساحة عمله ووظيفته .
وترتيبا على ذلك يتوجب دراسة هذا الموضوع من خلال الإجابة على عدة تساؤلات، تتعلق بماهية هذا المبدأ أي مضمونه والنتائج المترتبة عليه، وبالتالي كيف تترتب القواعد القانونية المشكلة للتنظيم القانوني في الدولة؟ أهي من درجة واحدة؟ أم لها مراتب متعددة؟ وما هو الأساس أو المعيار الذي يعتمد في هذا الترتيب؟ وما هي نتائج ذلك على عمل السلطات العامة؟ وبصورة خاصة ما هي نتائجه على الوظيفة القضائية ؟أي هل يملك القضاء سلطة إخضاع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى؟ وبالتالي هل يملك رقابة دستورية القوانين؟ ورقابة اتفاقية القوانين؟ ورقابة مطابقة القانون العادي للقانون العضوي؟ وما هو تأثير المبدأ على وظيفة القاضي التقليدية في مراقبة مشروعية اللوائح؟
كل تلك التساؤلات تتم الإجابة عنها بالاعتماد على منهجية مزدوجة، تقوم على التحليل والمقارنة :
- التحليل للمبادئ والنصوص القانونية،واستخلاص المقدمات والنتائج المتعلقة بمبدأ التدرج القانوني.
- والمقارنة بما هو عليه الوضع في العمل القضائي من خلال الأحكام التي آمكن الحصول عليها .
وبالطبع لن نكتفي بما هو عليه الوضع عندنا، بل يتم اللجوء إلى القانون و القضاء المقارن، مع التركيز على فرنسا ومصر كنموذجين مختارين في هذا المجال .
وهو ما يجعل الدراسة تبحث المبدأ من زاويتين:
الزاوية الأولى: تحديد ماهية المبدأ أي مضمونه ونتائجه (الفصل الأول) الذي نفصل فيه مضمون المبدأ بتحديد المرتبة الإلزامية لكل مصدر من المصادر الرسمية للقواعد القانونية، مبتدئين بالترتيب الإلزامي للقواعد القانونية المكتوبة، وبعدها ترتيب القواعد غير المكتوبة(المبحث الأول) ثم تحديد النتائج المترتبة على ذلك الترتيب الإلزامي بالنسبة لعمل السلطات العامة في الدولة، مبتدئين بنتائج سمو القواعد الدستورية، لكونها متميزة بصورة خاصة عن نتائج ترتيب القواعد القانونية الأخرى (المبحث الثاني) .
والزاوية الثانية: تتعلق بدور القضاء في تكريس المبدأ وما ينجر عنه من أدوار رقابية جديدة (الفصل الثاني) مبتدئين بدور القضاء في الرقابة الدستورية على القوانين، هل يختص بها أم يمتنع عليه التعرض لدستورية القوانين، وما هي الوظائف التي يلعبها القاضي أثناء ممارسته الرقابة الدستورية(المبحث الأول) ثم التعرض لدور القضاء في الرقابة على تدرج القواعد القانونية الأخرى ابتداء من الرقابة على اتفاقية القوانين، وبعدها الرقابة على مشروعية القواعد اللائحية(المبحث الثاني).




الفصل الأول
ماهية مبدأ تدرج القواعد القانونية


يسود الدولة المعاصرة مبدأ المشروعية باعتباره إحدى ضمانات دولة القانون، إذ تغدو السيادة لحكم القانون وحده، و هو ما يكفل حماية جدية للحقوق و الحريات، و من المستقر عليه أن مدلول القانون ينصرف إلى كافة القواعد القانونية السارية في الدولة- أيا كان مصدرها و شكلها -إذ تشكل تلك القواعد جميعها عناصر المشروعية في الدولة.
واعتبـارا لكـون مصادر القاعدة القـانونية متعددة، إذ لا يقتصر إنشاء القواعد القانونية على سلطة أو هيئة عامة واحدة في الدولة، فإنه يكـون محتمـلا وقوع التعارض أو التنـاقض بيـن هذه القواعد، و بالتالي يصبح من الضروري البحث عن قاعدة ما تحقق في آن واحد الترابط و الانسجام بين كافة القواعد القانونية التي يتكون منها التنظيم القانوني للدولة، و حل إشكالات و احتمالات وقوع التعارض فيما بين هذه القواعد، و قد توصل الفـقه و بعده القضـاء إلى مبدأ تدرج القواعد القـانونية باعتبـاره كفيـل بكـل ذلك، و استقـر الأمر على اعتباره إحدى عنـاصر دولة القانون و ضماناتها و ترتيبا على ذلك يتعين تحديد مضمون هذا المبدأ (المبحث الأول) و حصر نتائجه (المبحث الثاني)
المبحث الأول
مضمون مبدأ تدرج القواعد القانونية
تأسيسا على مقتضيات مبدأ المشروعية، ولكفالة احترام السلطات العامة للقانون، استقر الأمر على ضرورة ترتيب القواعد القانونية التي تكون عناصر المشـروعية في مراتب متعددة متتالية، بحيث يسمو بعضها على البعض الأخر، في تدرج يشمل كافة هذه القواعد التي تمثـل التنظـيم القـانوني للدولة، فتخضع القاعدة الأدنى مرتبة للقاعدة الأعلى منها مرتبة، فلا تستطيع مخالفتها و إلا عدت غير مشروعة ( )، ويتفق الفقه والقضاء أن تدرج القواعد القانونية هو تدرج شكلي من ناحية، وهو تدرج للمرتبة الإلزامية لتلك القواعد:
- التدرج الشكلي للقواعد: والذي يرتكـز على مرتـبة السلطـة التي أصـدرت القـاعدة القانونية، والإجراءات المتبعة في ذلك.
- تدرج المرتبة الإلزامية للقواعد القانونية: والذي يعني أن بعض القواعد يتمتع بقوة إلزامية أعلى مما تتمتع به القواعد الأخرى التي تليها في المرتبة.
والحقيقة أن مظاهر التدرج تقتصر حقا على القوة القانونية للقـاعدة، أو قـوتها أو مرتبتها الإلزامية( )، ومقتضى ذلك أن مبدأ تدرج القواعد القانونية يشمل كافة القواعد القانونية، سواء منها ما كان مدونا (المطلب الأول) أو كان غير مدون (المطلب الثاني) ذلك أن مبدأ تدرج القواعد القانونية يتضمن تدرج التشريعات إلى جانب تدرج القواعد القانونية الأخرى.

المطلب الأول
تدرج القواعد القانونية المكتوبة
تمثل القواعد القانونية المكتوبة أو المسنونة من طرف السلطة المعهود إليها بسن القوانين، المصدر الأول للمشروعية في الدولة، والمستقر عليه فقها وقضاء أن ثمة ثلاثة أنواع من القواعد القانونية المكتوبة، وذلك بالنظر إلى السلطة التي قامت بسنها:
- القواعد الدستورية: التي تضعها السلطة التأسيسية.
- والقواعد التشريعية: التي تتولى السلطة التشريعية سنها.
- والقواعد اللائحة: التي تتولى السلطة التنفيذية وضعها.
- ونظرا لاعتراف الدستور في المادة 132 منه بسمو المعاهدات على القانون ، فمعنى ذلك إدراج
القواعد الاتفاقية الدولية ضمن التنظيم القانوني للدولة.
ومن ثم فمبدأ التدرج التشريعي( ) – الذي يتضمنه مبدأ التدرج القانوني – يقصد منه : أن تأتي القواعد الدستورية في المقدمة بسبب سمو الدستور (الفرع الأول) ثم تأتي بعدها القواعد الاتفاقية الدولية بسبب سمو المعاهدات المصادق عليها على القانون (الفرع الثاني) وبعدها القواعد التشريعية الصادرة عن السلطة التشريعية المختصة، والتي لا بد أن تأتي منسجمة مع القواعد الدستورية والقواعد الاتفاقية الدولية (الفرع الثالث) وتليها بعد ذلك القواعد اللائحية الصادرة عن السلطة التنفيذية، والتي يجب أن تأتي مطابقة للقواعد القانونية الأعلى منها كلها (الفرع الرابع).
الفرع الأول
القـــواعــد الدســتورية
تقوم دولة القانون على وجود نظام دستوري يحمي حقوق الإنسان وما ينبثق عنه من حقوق وحريات من جهة، ووجود ضمانات فعالة تكفل التكريس الفعلي لهذا النظام الدستوري، بحيث تخضع له السلطات العامة خضوع المحكومين له، ويأتي (مبدأ سمو الدستور)على رأس هذه الضمانات، إذ لا يتصور قيام دولة القانون دون هذا السمو. وهو ما تم تكريسه في ديباجة دستور 1996 التي جاء فيها: "إن الدستور فرق الجميع وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات ...".
فيتأكد من ذلك سمو الدستور، وبالتالي تموضع القواعد الدستورية في قمة الهـرم القـانوني في الدولة، ولذلك فمن الضروري تحديد مدلول القواعد الدستورية (أولا) ومرتبتها بين القواعد القانونية طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (ثانيا).
أولا: مدلـول القـواعـد الدستورية:
يقصد بالقواعد الدستورية: مجموعة القواعد القانونية الواردة في الوثيقة الدستورية والتي تبين نظام الحكم في الدولة، وتحدد الحقوق والحريات العامة للأفراد، وتقرر الأسس والأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ويستند هذا المفهوم على المعيار الشكلي الذي يرى أن القواعد الدستورية مصدرها الوحيد هو (الوثيقة الدستورية).
ويعترض بعض الفقه على هذا المفهوم، ويرى أن القواعد الدستورية هي مجموعة القواعد القانونية التي تبين نظام الحكم في الدولة وتحدد الحقوق والحريات العامة للأفراد، سواء وردت في الوثيقة الدستورية وهـو الأصل، أو وردت في وثائـق أخـرى يطـلق عليها أحيـانا إعلانـات الحقـوق أو المواثيق، كما قد يرد بعضها في مقدمات الدساتير ذاتها. فالقواعد الدستورية حسب هذه الاتجاه الذي يعتمد على المعيار المادي( ) هي التي تنشئ وتنظم السلطات العامة جميعها، وتحدد نطاق اختصاص كل منها وكيفية ممارسة هذه الاختصاصات. ولكن هذا الرأي محل جدل فقهي وقضائي، بحيث يتجه الرأي الراجح إلى إخراج القواعد الواردة في إعلانات الحقوق أو المواثيق أو مقدمات الدساتير من (القواعد الدستورية) ويدرجها ضمن (المبادئ العامة للقانون) التي نـراها لاحقا باعتبارها مصدرا أخر للقانون، وهو المبادئ العامة للقانون والتي نراها لاحقا.
ثانيا: مرتبة القـواعـد الدستـورية:
تمتاز القواعد الدستورية بالسمو والسيادة لاعتبارات عدة ( )، وهي:
1- أنها تصدر عن المشرع الدستوري أي السلطة التأسيسية، وهي أعلى سلطة في الدولة بحيث لا تعلوها سلطة أخرى، وهو ما يجعلها غير مقيدة بأي قيد في وضعها للدستور، أي أنها سلطة غير مشروطة، إذ لا تتقيد بأية قواعد أخرى تعلوها بل هي السلطة العليا والسيدة، ، وهو ما يجعل التشريع الصادر عنها أي القواعد الدستورية سيدة، وهي المصدر الأساسي لكل قاعدة قانونية أخرى.
2- أن الدستور هو الذي يحدد فكرة القانون الرسمية في الدولة، وهو ما يجعله بمثابة الإطار القانوني العام لكل حياة الدولة،كما انه يعين الأشخاص والهيئات التي يكون لها حق التصرف باسم الدولة ، بشروطهم وصفاتهم لا بشخوصهم وأسمـائهم ، ثم يحدد الطريق الشرعي للوصول إلى السلطة، ووسائل وحدود ممارسة الاختصاصات الدستورية لكل هيئة.
3- كما أن جمود الدستور يؤكد هذا السمو، وهذا خلافا للدساتير المرنة، حيث لا تمتاز حينئذ بالسمو اللازم للقواعد الدستورية، ويعتبر الدستور الجزائري دستورا جامدا، ومثله جميع الدساتير العربية وكذلك الدستور الفرنسي والدستور الأمريكي .
4- وقد نص الدستور نفسه على هذا السمو صراحة، إذ جاء في ديباجة الدستور 1996 (إن الدستور فوق الجميع ، وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات ويكفل الحماية القانونية ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية ويتحقق فيه تفتح الإنسان بكل أبعاده).
وجاء في المادة 182 من دستور 1996 انه "يصدر رئيس الجمهورية نص التعديل الدستوري الذي أقره الشعب، وينفذ كقانون أساسي للجمهورية".
وترتيبا على ما سبق فإن الدستور هو السيد، وبالتالي تتموضع القواعد الواردة فيه في قمة الهرم القانوني للدولة، وهو ما يقود إلى نتيجة أساسية مفادها خضوع كل القواعد القانونية في الدولة للقواعد الدستورية، سواء من حيث الشكل أو من حيث الموضوع. وهذا السمو تم الاعتراف به وتكريسه من طرف القضاء المقارن في مختلف الدول، فمما قررته محكمة التمييز اللبنانية "وبما أن الدستور الذي هو النظام الأساسي للبلاد ينطوي تحت مفهوم القانون العام لا القانون الخاص ويتعلق بالنظام العام بحيث يجب مراعاته دوما تحت طائلة البطلان كما لا يجوز مخالفة أحكامه حتى من طريق القوانين العادية إذا كانت غير دستورية" ( ) وكذلك المحكمة الإدراية العليا –السورية التي قررت أنه نظرا "لما يتميز به الدستور من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة القانون الأعلى وتسمه بالسيادة، فهو بهذه المثابة سيد القوانين جميعها بحسبانه كفيل الحريات وموئلها ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدها..." ( ) وهو ما كرسه أيضا القضاء في مختلف الدول، ورغم انه لا يوجد حكم أو قرار قضائي يكشف حقيقة موقف القضاء الجزائري من هذه المسألة لكن لا يسعه إلا أن يفعل ما سبقه إليه القضاء المقارن من اعتراف بسمو القواعد الدستورية وتكريس نتائجه.
الفرع الثاني
القـواعـد الاتفاقـيـة الدولـية
لقد أخذت المعاهدة مبكرا مكانا مميزا في النظم الداخلية كأحد مصادر المشروعية فكان لها ذات قوة القانون بل سمت عليها حسب بعضها الآخر، و الحقيقة أن الدساتير لم تفعل أكثر من تقنين فكر القضاء و رؤيته لوضع المعاهدة في النظام القانوني الداخلي فقبل المشرع الدستوري كرس القضاء أن "المعاهدة ليست عقدا خاصا و لا قانونا و لكنها تتميز بقوة القانون" إذ جاء في حكم محكمة النقض الفرنسية الدائرة المدنية المؤرخ في 24/06 /1839 ( ) :
« les traites passes entre les nations ne sont pas de simple actes administratifs et d’exécution… ils ont le caractère de loi »
و هو ما تم تكريسه في دساتير العديد من الدول، إذ اعترفت للمعاهدات الدولية بقوة القانون أو جعلتها أسمى منه، و بالتالي أدرجتها ضمن مصادر و عناصر المشروعية. و في نفس الاتجاه قرر الدستور الجزائري هذا المبدأ إذ نصت المادة 132 من دستور 1996 على أن : "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون".
و تبعا لذلك يتوجب تحديد مضمون القواعد الاتفاقية الدولية (أولا) و مرتبتها بين القواعد القانونية الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (ثانيا).
أولا: مدلول القواعد الاتفاقية الدولية:
طبقا لنص المادة 132 من الدستور، فإن هذا الأخير لم يعترف بالقانون الدولي بمختلف مصادره، إذ لم ينص إلا على المعاهدات الدولية، و أهمل باقي المصادر كالعرف الدولي و القضاء الدولي، وعلى ذلك فلا يمكن إدماج قواعد القانون الدولي ماعدا القواعد الواردة في المعاهدات ضمن القانون الداخلي الجزائري، على أن الدستور وضع شروطا حتى تجاور القواعد الاتفاقية الدولية عناصر النظام القانوني الداخلي كمصدر للمشروعية فيه،و هو ما يفرض التعرض لمفهوم المعاهدة الدولية (I) و الإجراءات اللازمة لإدراجها ضمن النظام القانوني الجزائري (II).
I- مفهوم المعاهدة الدولية( ): عرفت اتفاقية فيينا للمعاهدات المبرمة سنة 1969 في مادتها الثانية في فقرتها الأولى المعاهدة بكونها :"اتفاق دولي يعقد بين دولتين أو أكثر كتابتا و يخضع للقانون الدولي سوءا تم في وثيقة واحدة أو أكثر و أيا كانت التسمية التي تطلق عليها" و أضافت الفقرة الثانية لنفس المادة أن:" التعريفات الواردة بالفقرة الأولى لا تخل بأي تعريفات أو معاني أخرى تعطى لها في القانون الداخلي لأي دولة". فهل هناك تعريف خاص في القانون الجزائري للمعاهدات؟ و هل تندرج ضمن المعاهدات المقصودة في المادة 132 من الدستور المعاهدات المعقودة مع المنظمات الدولية؟ إن القانون الجزائري اعترف بالمفهوم الدولي للمعاهدات لكونه اعترف بها دون أن يقدم لها تعريفا خاصا به، و هو ما يفرض الاستناد إلى التعريف سالف الذكر، على أنه يجب أن يوسع مفهوم المعاهدة ليشمل أيضا الاتفاقيات المبرمة مع المنظمات الدولية باعتبارها أشخاصا دولية، و هو ما كرسته اتفاقية فيينا لسنة 1986 التي تتعلق بالاتفاقيات المبرمة بين غير الدول.
و على ذلك فيشترط لنكون بصدد معاهدة دولية أن تكـون مبـرمة بين أشخاص القانون الدولي دولا و منظمات دولية، فيندرج فيها الاتفـاقيات المعقودة بين الجـزائر و الاتحاد الأوربي، أو بين الجزائر و منظمة التجارة العالمية، باعتبار كلا من الاتحاد الأوربي و منظمة الغات أشخاصا دولية.
II-إدراج المعاهدة في القانون الداخلي: رغم التكريس الدستوري للمعاهدات باعتبارها أسمى من القانون فإن المشرع الدستوري لم يعتبرها قانونا و ذلك بالنظر بخصوصية وضعها و أدوات إنشائها المختلفة عن تلك التي تنشيء القانون، و تبعا لذلك اشترط الدستور إجراءات تدخل بها المعاهدة في النظام الداخلي إعلانا بأن قدومها هو بإذن السيادة الوطنية و ليس مفروضا مباشرة للقواعد الدولية( )، فما هي هذه الإجراءات؟
طبقا للمادة 132 سالفة الذكر، يجب أن تكون المعاهدة -حتى تسمو على القانون- محل تصديق من طرف رئيس الجمهورية (1) و أضاف المجلس الدستوري الجزائري ضرورة نشر المعاهدة لتصبح جزء من التنظيم القانوني الوطني (2).
1-اتخاذ مرسوم التصديق على المعاهدة الدولية: لقد فرض الدستور على رئيس الجمهورية احترام الإجراءات السابقة على إصدار مرسوم التصديق، وذلك قصد توزيع الاختصاص بين رئيس الجمهورية والبرلمان في مجال المصادقة عل المعاهدات الدولية، وفي ذلك دلالة عن تطبيق مبدأ فصل السلطات بمعناه المرن، لوجود تعاون بين السلطات في مجال المعاهدات الدولية، على أنه يجب التمييز بالنسبة لهذه الإجراءات بين حالتين:
الحالة الأولى: و تتعلق بالمعاهدات المنصوص عليها بالمادة 131 من الدستور، ففي هذه الحالة بعد أن يوقع رئيس الجمهورية على هذه المعاهدات يتوجب عليه عرضها على البرلمان بغرفتيه، و يشترط أن تصدر منه موافقة صريحة عليها، و معنى ذلك أنه يجب على رئيس الجمهورية قبل إصدار مرسوم المصادقة أن يحصل على قانون الموافقة من البرلمان، و بالنسبة لاتفاقيات السلم و الهدنة فيجب قبل عرضها على البرلمان أن يخطر المجلس الدستوري، للفصل في مدى دستوريتها طبقا لنص المادة 97 من الدستور.
الحالة الثانية: و يتعلق الأمر بالمعاهدات الأخرى و التي يمكن لرئيس الجمهورية المصادقة عليها دون اتخاذ الإجراءات سالفة الذكر.
2-نشر المعاهدة المصادق عليها: لم يشر الدستور إلى إجراء النشر كشرط لسمو المعاهدة على القانون، وهو ما يثير التساؤل عن مدى إلزامية شرط النشر لنفاد المعاهدة واندراجها ضمن القانون الوطني الجزائري؟
بالرجوع إلى المرسوم المؤرخ في 10/11/1990 الذي يحدد صلاحيات وزير الخارجية، نجد أن المادة 10 منه تنص على أنه: " يسعى وزير الخارجية إلى المصادقة على الاتفاقيات والاتفاقات والبروتوكولات واللوائح الدولية التي توقع عليها الجزائر أو التي تلتزم بها كما يسعى إلى نشرها" فهذا النص جعل وزير الخارجية يسعى لنشر المعاهدات، وهو المصطلح الذي يثير مشاكل تتعلق بطبيعة الالتزام الملقى على عاتق وزير الخارجية في هذا المجال، والملاحظ أن صياغة المادة توحي بأن الأمر لا يرقى إلى درجة الالتزام وإنمـا هو مجرد اختيار لا أكثر، خصوصا مع وجود فقرة "لا يشمل النشر كل المعاهدات التي أبرمتها الجزائر" كمـا أن مصطـلح (يسعى) لا يفـيد الإلزامية أو الجبر( ). ولكن المجلس الدستوري تدخل من خلال قراره المؤرخ في 20 أوت 1990 ( ) أي قبل صدور المرسوم المشار إليه أعلاه ليصرح: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني وتكتسب حسب المادة 123 من الدستور – لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996- سلطة السمو على القوانين ويمكن كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية" فنص على وجوب نشر المعاهدة المصادق عليها كشرط أولي لاندراجها ضمن القانون الجزائري، وعلى ذلك فالمعاهدة لا تكتسب طابعها الإلزامي على الواجهة الداخلية ولا تطمح إلى التطبيق إلا بعد نشرها، ولكن في الميدان توجد عدة حالات تثير إشكاليات عدة، إذ وجد إما مرسوم التصديق فقط أو مرسوم النشر فقط دون نص المعاهدة في الجريدة الرسمية، وستكون النتيجة لو أعملنا الحل الذي ارتآه المجلس الدستوري هي استبعاد المعاهدة عن التطبيق ومنع الأفراد من الاستناد عليها للمطالبة بحقوقهم رغم علمهم بإبرامها من طرف الجـزائر. ونظرا لخطورة هذه التنيجة، يتوجب التمييز بين وضعين:
الوضع 01: عدم ظهور مرسوم التصديق ومرسوم النشر ونص المعاهدة في الجريدة الرسمية:
في هذه الحالة لا يمكن إطلاقا للمتقاضي – رغم علمه بها- الاعتماد على المعاهدة أمام جهات القضاء وذلك لعدم توفر المعاهدة على كل الشروط التي تسمح بإدراجها ضمن القانون الجزائري .
الوضع 02: ظهور مرسوم النشر في الجريدة الرسمية دون نشر نص المعاهدة :
هنا نميز بين حالات:
الحالة 1: ظهور مرسوم التصديق فقـط في الجريدة الرسمية: فمعناه أن الشرط الخاص بالنشر لم يتم، وهو ما يثير التساؤل عن مدى نفاذ المعاهدة، ومن حيث المبدأ لا يمكن الاعتداد بالمعاهدة أمام القضاء الوطني ، إلا أن المحكمة العليا في غرفتها الجزائية في قرارها المؤرخ في 14/02/1967 ( ) اعتمدت على المعاهدة للفصل في المنازعة المعروضة أمامها، ولم تبد اهتماما لشرط نشر المعاهدة. وفي نفس الإطار فإن نفس الغرفة أصدرت قرارا لها بتاريخ 22/02/2000 ( )كرست فيه موقفها السابق، فهي اعتمدت على معاهدة دولية دون إشارة إلى شرط النشر من أساسه وهو ما يفهم منه أنه الغرفة الجزائية للمحكمة العليا ترى كفاية شرط التصديق لاندراج المعاهدة في القانون الجزائري ونفاذها .
الحالة 02: حالة ظهور مرسوم النشر فقط في الجريدة الرسمية دون نص المعاهدة: وهذا يثبت على ألأقل أن إجراءات إدراج المعاهدة ضمن القانون الداخلي قد تمت فعلا، وأن عدم نشر نص المعاهدة لا يمكن أن يمنع الاستناد إليها أمام القضاء، ويملك القاضي هنا السلطة لتأجيل البت في المنازعة، وطلب إظهار نص المعاهدة من وزير الشؤون الخارجية .
والتحليل السابق يكشف عن إشكالية حقيقية فيما يتعلق بالنشر، ويتوجب على المشرع التدخل للنص صراحة على إلزامية النشر، كما هو حال الأنظمة المقارنة.( )
وللملاحظة فإن الغرفة المدنية للمحكمة العليا خلافا للغرفة الجزائية درجت على الإشارة الصريحة لنشر نص المعاهدة في الجريدة الرسمية، ومن ذلك القرار المؤرخ في 05/09/2001 ( ) الذي جاء فيه:
"وبناء على المرسوم الرئاسي رقم 89/67 المؤرخ في 16 ماي 1989 المتعلق بانضمام الجزائر إلى الاتفاقية المنوه إليها أعلاه .
وبعد الإطلاع على أحكام المادة 11من الاتفاقية المذكورة أعلاه والمنشورة بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية عدد 11 المؤرخ في 26/02 سنة 1997 ..."
وهو ما أكدت عليه في قرارها المؤرخ في 11/12/2002 ( ) .
ومهما يكن فبعد اتخاذ إجراءات إدراج المعاهدة في التنظيم القانوني الوطني تصبح مصدرا من مصادر القانون، باعتبار أن القواعد التي تتضمنها المعاهدة هي قواعد قانونية ملزمة بذاتها، وهو ما يفرض التساؤل عن مكانتها بين القواعد القانونية الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية؟
ثانيا: مرتبة القواعـد الاتفاقية الدوليـة:
لم تترك المادة 132 من دستور 1996 مجالا للتردد حول مكانة القواعد الاتفاقية الدولية ، بنصها على مبدأ "سمو المعاهدات الدولية المصادق عليها وفق الشروط الدستورية على القانون" و هو المعنى الذي أكده المجلس الدستوري في قراره سالف الذكر، إذ قرر أنه: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها و نشرها تندرج في القانون الوطني و تكتسب حسب المنادة 123 من الدستور-لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996 –سلطة السمو على القوانين".
ونفـس الشيء فعلـه القضاء الجـزائري، إذ كرست المحكمة العليـا بغـرفتيها المدنية و الجـزائية – طبقا للقرارات المذكورة سلفا- مبدأ سمو المعـاهدة على القـانون باستبعـادها القانون المخالف لها، و الفصل في النزاع طبقا لما قررته المعاهدة، و معنى ذلك أن المعاهدة باستيفاء الإجراءات التي سبق ذكرها، تصبح مصدرا للمشروعية و الحقوق، و تـكون قواعـدها أسـمى من القواعد التشريعية و اللائحية، و لكنها أقل درجة من الدستور إذ لا يجوز لها مخالفته، و دليل ذلك هو خضوعها للرقابة على دستوريتها.( ) غير أن المجلس الدستوري في قراره السابق الإشارة إليه، قام بمراقبة دستورية قانون الانتخابات لسنة 1989 ليس فقط بالنظر إلى الدستور، وإنما أيضا على ضوء المعاهدات الدولية التي أبرمتها الجزائر، و هي خطوة جريئة و مفاجئة في نفس الوقت، إذ خرج المجلس الدستوري عن دوره في مراقبة مدى دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، و ابتدع دورا جديدا يتمثل في مراقبة مدى مطابقة القوانين للمعاهدات، و قد اعتمد المجلس الدستوري على المادة 123 من دستور 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996 ليجعل المعاهدة نصا مرجعيا، و يقحمها فيما أسماه الفقه (الكتلة الدستورية) وبالتالي أصبحت هذه الأخيرة في نظر المجلس الدستوري تتكون من الدستور والمعاهدات التي صادقت عليها الجزائر.( )
و لكن هذا ليس معناه إعادة النظر في سمو الدستور، لكون المجلس الدستوري بموقفه ذلك لم يغير الترتيب المنصوص عليه في المادة 132 من الدستور، وإنما ابتدع تبريرا لبسط رقابته على مدى مطابقة القانون للمعاهدات الدولية، فمادام هو يختص بمراقبة الدستورية، فإنه يجب عليه للتمسك باختصاص المطابقة بين القانون و المعاهدات أن يمنح الصفة الدستورية لهذه الأخيرة.( )
الفرع الثالث
القـواعـد التشـريعيـة
طبقا لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يمثل إحدى ضمانات وعناصر دولة القانون، فإن السلطة التشريعية تتولى بحكم تخصصها الدستوري بسن القواعد القانونية العامة، التي يتم بها رسم الخطوط العامة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، وتخصص الهيئة التشريعية في وضع القوانين – القواعد التشريعية- أمر طبيعي اقتضاه مبدأ السيادة الشعبية، باعتبار أن هذه الهيئة تضم ممثلين للإرادة الشعبية صاحبة السيادة في الدولة الديمقراطية.( ) وهكذا، فإن القاعدة القانونية التي تقررها الهيئة التشريعية، على مقتضى الإجراءات الدستورية المقررة لذلك، تأخذ مكانها إلى جانب القواعد الدستـورية في سلم تدرج القواعد القـانونية في الدولة، وتقـوم مصـدرا ثانيا للمشروعية فيها، ولأجل ذلك من الضروري تحديد مدلول القواعد التشريعية (أولا) ومرتبتها بين القواعد القانونية طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (ثانيا).
أولا: مدلـول القـواعـد التشـريعية:
يقصد بالقواعد التشريعية: القوانين التي تسنها السلطة التشريعية في الدولة( )، أي البرلمان بغرفتيه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة هذا من حيث الأصل، ورئيس الجمهورية في إطار التشريع بأوامر( )، وترتيبا على ذلك فإن تحديد مدلول القواعد التشريعية يفرض دراسة مجال القواعد التشريعية (I) ودرجاتها (II ) .
-Iمجال القواعد التشريعية: يتوجب على السلطة التشريعية وهي تسن القواعد القانونية، أن تقررها على مقتضى أحكام الدستور، فإذا تجاوزت فيما تسنه من قوانين حدود المبادئ الدستورية المقررة في الدولة، عد ذلك انحرافا منها في أدائها لوظيفتها، واعتبر تشريعها غير دستوري، ومن القيود الدستورية على سلطة التشريع ،التحديد الحصري لمجال التشريع، وذلك كما يلي:
1- تحديد المسائل التي يشرع فيها البرلمان: وهي المسائل الواردة في المادتين : 122 و123 من دستور 1996، وما خرج عن هذه المسائل يخرج عن مجال التشريع، ويندرج ضمن مجال التنظيم، إذ تنص المادة 125 من دستور 1996 على انه: "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون".
2- اقتصار دور البرلمان على وضع المبادئ أو القواعد العامة:( ) بالرجوع للنص الدستوري نجد أنه ألزم السلطة التشريعية بسن القواعد القانونية بطريقتين:
الأولى: وضع القانون بقواعده العامة والتفصيلية، كمثل مسألة القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي وإنشاء الهيئات القضائية، وقواعد قانون العقوبات، والإجراءات الجزئية، والنظام الجمركي ..الخ.
والطريقة الثانية: وضع المبادئ العامة أو القواعد الأساسية فقط، ويترك المجال للسلطة التنفيذية لتكملها بمقتضى سلطتها التنظيمية، ومنها القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة والتهيئة العمرانية، ففي هذا النوع الأخير نلاحظ أن الدستور ضيق مجال القواعد التشريعية، لصالح القواعد التنظيمية.
3- اقتصار دور البرلمان على التنظيم دون المنع: لقد كرس المؤسس الدستوري حقوقا وحريات للإنسان والمواطن، بحيث لا يمكن للسلطة التشريعية المساس بها، فلا تملك إلا سلطة تنظيمها دون تجاوز دلك إلى منعها، لكون المنع من اختصاص المؤسس الدستوري، ومثال ذلك ما تنص عليه المادة 32 من دستور 1996: "الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والموطن مضمونة" فلا يجوز المساس بها بالمنع وإنما يجوز تنظيمها، والمادة 36 من نفس الدستور: "لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي" وغير ذلك من الحقوق والحريات.
II- درجات القواعد التـشريعـية: يختص بسن القواعد التشريعية البرلمان بغرفتيه، وذلك بموجب قوانين عادية أو قوانين عضوية، كما يجوز لرئيس الجمهورية استثناء وضع هذه القواعد بموجب أوامر، فنكون أمام ثلاثة أنواع من القواعد التشريعية يتوجب تحديد مرتبة كل نوع منها في التدرج القانوني.
إن المعيار الشكلي هو المعتمد في ذلك، وهو يجعل القانون بنوعيه العضوي والعادي أسمى من الأوامر التشريعية، بحكم أنها صادرة عن السلطة المختصة أصلا بالتشريع، فتكون أسمى من القواعد الموضوعة من طرف جهة أخرى بحكم الاستثناء لا الوضع الطبيعي، وتكون للقوانين العضوية سموا على القوانين العادية نظرا للإجراءات الخاصة بالتصويت عليها وبالرقابة عليها قياسيا بالإجراءات المعتمدة بشأن القوانين العادية، وعلى ذلك فالقوانين العضوية أسمى من القوانين العادية، وهي بدورها تسمو على الأوامر التشريعية :
1-القانون العضوي: وهذا النوع ابتدعه دستور 1996وميزه عن القانون العادي في موضوعاته وإجراءاته،( ) فالموضوعات التي تندرج ضمن القانون العضوي تتعلق بمسائل تقترب من المسائل الدستورية، كالحريات وتنظيم السلطات العامة، وهو ما دفع بالبعض للقول بكون القوانين العضوية تحتل مكانة وسط بين ما هو أساسي (الدستور) وعادي من القوانين، والإجراءات الخاصة بها تختلف عن الإجراءات الخاصة بالقوانين العادية، إذ تتم الموافقة عليها بالأغلبية المطلقة من طرف غرفتي البرلمان، وتخضع للرقابة الإلزامية لمدى مطابقتها للدستور قبل صدورها، خلافا للقوانين العادية التي تخضع للرقابة الاختيارية على دستوريتها.
2-القانون العادي: ويتحدد مجاله حصرا بالمسائل المذكورة بالمادة 122 من دستور 1996، ويوافق عليها البرلمان بالإجراءات العادية ،أي الأغلبية البسيطة، ولا تخضع لرقابة المطابقة الإلزامية، بل تخضع لرقابة الدستورية، والتي قدي تكون سابقة أولا حقه، ورقابة الدستورية محددة المسائل فيما رقابة المطابقة شاملة، وهي رقابة اختيارية.( )
3- الأوامر التشريعية: أجـاز دستور 1996 لرئيس الجمهورية التشريع عن طـريق أوامر رئاسية،( ) أثناء غيبة البرلمان، أو في الظروف الاستثنائية، واشترط عليه أن يعرض هذه الأوامر على البرلمان في أول دوره له، للموافقة عليها بالنسبة للأوامر الصادرة أثناء غيبة البرلمان، أي بين دورتيه أو أثناء شغوره، ولم يشترط ذلك بالنسبة للأوامر المتخذة في الظروف الاستثنائية، أو الأوامر التشريعية المتعلقة بقانون المالية، ونظرا لهذا التمييز يرى بعض الفقهاء أن الأوامر المتخذة أثناء غيبة البرلمان تبقى مجرد أعمال تنظيمية إدارية، والموافقة البرلمانية عليها هي التي تضفي عليها الطابع التشريعي، وخلافا لذلك يرى اتجاه آخر في الفقه، أن هذه الأوامر لها قيمة القانون ولو لم تعرض على موافقة البرلمان، فبمجرد صدورها ونشرها تصبح نافذة باعتبارها قوانين، إذ تصدر في المجال المخصص للتشريع، وأما الأوامر الصادرة في الظروف الاستثنائية، أو المتعلقة بقانون المالية، فلا جدال في كونها قوانين بمجرد صدورها ونشرها إذ لا تعرض على الموافقة البرلمانية.
ثانيا: مرتبة القواعـد التـشريعـية:
يرى اتجاه في الفقه أن القواعد التشريعية تمتـاز بالسيادة والسمو( )، لصدورها عن السلطة التشريعية، أي عن ممثلي الشعب، وبالتالي فلا يوجد ما يميز الدستور عن القانون الصادر عن البرلمان في المرتبة، أو في القوة، إذ لكل منهما صفة القاعدة القانونية الملزمة، ولكن من الناحية العملية تعتبر السيادة للقانون، مادام أنه صدر وفقا للإجراءات القـانونية عندما يتضمن أحكـاما تعـارض الدستور، بحيث ليس هناك من وسيلة لإزالة هذا التعارض. ولكن هذا الطرح منتقد فقها وقضاء وقانونا، ذلك أن سمو الدستور مبدأ مسلم به في مختلف الأنظمة القانونية، ويستتبع ذلك أن القانون يأتي في المرتبة التالية بعد الدستور، ولا يعتبر منتجا لآثاره إلا إذا جاء موافقا للدستور شكلا وموضوعا، ويترتب على ذلك أيضا أن تكون القـواعد الاتفـاقية الدولية أسمى من القـواعد التشريعية، وذلك إعمالا للنص الدستوري الذي كرس سمو المعاهدات المصادق عليها على القانون.
والخلاصة أن القواعد التشريعية الصادرة عن البرلمان تترتب بعد القواعد الدستورية والقواعد الاتفاقية الدولية، طبقا لمبدأ سمو الدستور ومبدأ سمو المعاهدات على القانون، فيما تأتي تلك القواعد قبل القواعد اللائحية، طبقا لمبدأ المشروعية الذي يجعل القواعد التشريعية ملزمة للسلطة التنفيذية .
الفرع الرابع
القـواعـد اللائحيــة
تعتبر اللوائح عنصرا من عناصر المشروعية، باعتبارها أحد مصادر القواعد القانونية في نظامنا القانوني، وفقا للدستور الذي يعترف بحق السلطة التنفيذية في وضعها، وبالتالي فإن القواعد اللائحية تعتبر قواعد قانونية واجبة التطبيق، وتندرج ضمن النظام القانوني للدولة، وهو ما يفرض التساؤل عن مدلول القواعد اللائحية (أولا) ومرتبتها بين القواعد القانونية طبقا لمبدأ تدرج القوانين (ثانيا).


أولا: مدلول القواعـد اللائحيـة:
يقصد بالقواعد اللائحية( ) تلك القواعد التي تجد مصدرها في النصوص الصادرة عن السلطة التنفيذية، في شكل مراسيم أو قرارات أو تعليمات أو منشورات أو مقررات، ويسميها الفقه (اللوائح) باعتبارها قرارات إدارية تتضمن قواعد عامة ومجردة وغير شخصية، تصدرها السلطة التنفيذية باعتبارها تمارس السلطة العامة، ولذلك فإن اللوائح تعد عملا تشريعيا، لكون القواعد القانونية التي تتضمنها هي قواعد عامة مجردة شأنها في ذلك شأن أي قاعدة قانونية أخرى، وهو ما يجعلها أحد عناصر البناء القانوني في الدولة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اللوائح تعد عملا إداريا طبقا للمعيار العضوي المعتمد فقها وقضاء( ). وعلى ذلك فالقرارات الفردية والأعمال المادية للإدارة تخرج عن مضمون اللوائح التي تمثل قواعد عامة مجردة و ملزمة لجميع الأشخاص المخاطبين بها( )، تماما مثل القواعد التشريعية، وتوجد ثلاثة أنواع للوائح، فهناك اللوائح التنظيمية (I) وهناك اللوائح التنفيذية (II) ولوائح الضبط (III).
Iـ اللوائح التنظيمية: مكن المؤسس الدستوري رئيس الجمهورية من الإنفراد بمباشرة الاختصاص التنظيمي، وهو ما جاءت به المادة 125/1 من دستور 1996، والتي تقرر أنه: "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون"، فالسلطة التنظيمية الممنوحة لرئيس الجمهورية لها صبغة تشريعية و اختلفت عن السلطة التشريعية التي يملكها استثناء، و يباشر ها بمقتضى أوامر تشريعية، إذ تندرج هذه الأخيرة في إطار المجال المخصص للبرلمان، فيما يخرج اختصاصه التنظيمي عن ذلك المجال و يباشـره رئيس الجمهورية معتمدا على السند الـدستوري وحده، وهو ما يجعل ما يصدره رئيس الجمهورية في هـذا الإطـار ليس في وسع البرلمان تعديله أو إلغاءه، لعدم اندراجه في مجال القانون المخصص للبرلمان.
II-اللوائـح التنـفيـذية: إن المادة 125/2 من دستور 1996 منحت لرئيس الحكومة السلطة للتدخل في الإنتاج التشريعي للبرلمان باعتباره الواقف على تنفيذ القوانين طبقا للمـادة 85 من دستور 1996، ولذلك فرئيس الحكومة يختص بإصدار مراسيم تنفيذية لكي يحدد بمقتضاها الشروط والضوابط لتطبيق القوانين الواردة في صياغة غير قابلة للتنفيذ، فيتطلب إكمالها بمراسيم أو قرارات إدارية، وعلى ذلك فاللوائح التنفيذية هي تلك اللوائح التي تتضمن الأحكام التفصيلية أو التكميلية اللازمة لتيسير تنفيذ القوانين ( )، وهي بهذا المعنى اختصاص طبيعي للسلطة التنفيذية بحكم وظيفتها المتمثلة في تطبيق وتنفيذ القانون .
III– لوائح الضبـط الإداري: ويقصد بها تلك اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية بقصد المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، فهي قواعد قانونية تضعها السلطة التنفيذية للمحافظة على الأمن العام والسكنية العامة والصحة العامة والآداب العامة، دون أن تستند في ذلك إلى قانون فتجئ لتنفيذه بل هي لوائح مستقلة( )،غرضها صيانة النظام العام كلوائح تنظم المرور، ومراقبة الأغذية، وغيرها، وتصدر هذه اللوائح من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكـومة أو من الـوزراء أو المديرين أو الولاة أو رؤساء البلديات كل في مجال اختصاصه.
ثانيا: مرتبـة القـواعـد اللائحيـة:
إن اللوائح احد عناصر المشروعية، مما يوجب إدراجها في التنظيم القانوني للدولة، كما تمثل من زاوية أخرى أعمالا إدارية تخضع لمبدأ المشروعية وحدوده وقيوده، وخصوصا ما يترتب على تدرج القواعد القانونية من نتائج، سواء صدرت هذه اللوائح في الظروف العادية (I) أم في الظروف الاستثنائية (II).
I – مرتبة اللوائح في الظروف العادية: رغم اتصاف القواعد اللائحية بميزات القاعدة القانونية، إلا أنها تعد وفقا للمعيار العضوي أعمالا إدارية، فلا تتساوى مع القواعد التشريعية، فهذه الأخيرة أقوى منها، لكونها تسري على السلطات الإدارية ذاتها طبقا لمبدأ المشروعية في الظروف العادية، التي تقتضي خضوع السلطة اللائحية للقواعد القانونية الأسمى منها، سواء كانت دستورية أو اتفـاقية دولية أو تشريعية، وهذا الطرح مسلم به في الفقه والقضاء، إلا بالنسبة للوائح التنظيمية الصادرة عن رئيس الجمهورية، فإن البعض حاول وضعها في نفس المرتبة الإلزامية مع القواعد التشريعية الصادرة عن البرلمان، لكون تلك اللوائح مستقلة عن القانون، ولا يمكن للبرلمان وضع قواعد في المجال المخصص لها ولا تعديلها ولا إلغاءها، لكنه طرح منتقد، إذ لا علاقة بين استقلالية رئيس الجمهورية في وضعها عن القانون وبين مرتبتها الإلزامية، وعلى ذلك فاللوائح الصادرة في الظروف العادية مهما كان نوعها تقع في مرتبة أدنى من القواعد التشريعية ( ).
II-مرتبة اللوائح في الظروف الاستثنائية: يترتب على وقوع الظروف الاستثنائية قيام حالة الضرورة التي تبيح للسلطة التنفيذية أن تتخذ الإجراءات الإستثنائية اللازمة لمواجهة هذه الظروف، ويطلق الفقه عليها (أعمال الضرورة) هذه التي يندرج ضمنها (لوائح الضرورة) تأسيسا على صدورها إبان قيام حالة الضرورة، وتتبلور آثار نظرية الضرورة في ارتفاع القوة القانونية لتدابير الضرورة، بما فيها لوائح الضرورة التي تصبح لها قوة القانون في تدرج القواعد القانونية، ويترتب على ذلك انه يجوز للسلطات الإدارية مخالفة القانون في إصدارها، بل لها إمكانية إلغاء أحكام القانون أو تعديلها لكونها في جوهرها أعمالا تشريعية، وتتمتع بقوة القانون في الظروف الاستثنائية( ).
على انه ليس معنى ذلك أن السلطة التنفيذية تتحرر من كل قيد أثناء الظروف الاستثنائية، بل أخضعها الدستور إلى بعض الضوابط التي لا يمكن الخروج عنها استنادا لهذه الظروف، وتلك الضوابط يسميها الفقه (المشروعية الاستثنائية) التي تصدر في نطاقها اللوائح الاستثنائية( ).
المطلب الثاني
تدرج القواعد القانونية غير المكتوبة
من المستقر عليه في الفقه والقضاء، أن مبدأ المشروعية يعني (سيادة حكم القانون)، وهو في الحقيقة تعريف مناسب تماما لمبدأ المشروعية، خاصة وان المؤسس الدستوري قد اعتنقه في دستور 1996 إذ جاء في ديباجته أن الحكم في الدولة أساسه سمو القانون، ويشمل هذا القانون كافة القواعد القانونية السارية في الدولة أيا كان مصدرها وشكلها، فتندرج فيها القواعد القانونية المكتوبة أي الصادرة عن السلطات العامة المختصة بسن القواعد القانونية، سواء كانت دستورية أو اتفاقية دوليـة أو تشـريعية أو لائحية، كما تندرج فيها قواعد أخرى تم تعريفها بطريقة سلبية بالقول بكونها (غير مكتوبة) أي خلاف تنلك القواعد الموضوعة من طرف السلطات العامة.
ولا شك أن هذه القواعد الأخيرة أي غير المكتوبة، تعتبر قواعد قانونية، سواء بالنسبة لمبادئ الشريعة الإسلامية (الفرع الأول) أو القواعد العرفية (الفرع الثاني) أو مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة (الفرع الثالث) وكذلك المبادئ العامة للقانون (الفرع الرابع) وهذه القواعد القانونية غير المكتوبة ذكرتها المادة 01 من القانون المدني، باستثناء المبادئ العامة للقانون فقد غفلت عنها رغم الاتفاق الفقهي والقضائي بشأنها( ).
الفرع الأول
مبادئ الشريعة الإسلامية
تعددت المواضع التي أشار فيها دستور 1996 على المرجعية الأساسية للشعب الجزائري والمتمثلة في (الإسلام) ففي ديباجته جاء أن: " الإسلام من المكونات الأساسية لهوية الشعب الجزائري" وأن "الجزائر أرض الإسلام " كما قررت المادة 02 منه أن "الإسلام دين الدولة "وحددت المادة 08 منه أن إحدى غايات المؤسسات التي يختارها الشعب هي المحافظة على الهوية بما فيها الإسلام، ومنعت المادة 06 منه هذه المؤسسات من إتيان السلوك المخالف للخلق الإسلامي، ويلتزم رئيس الجمهورية في اليمين التي يؤديها بأن "يحترم الدين الإسلامي ويمجده" وفي المادة 176 منه جاء انه: " لا يمكن لأي تعديل دستوري أن يمس الإسلام باعتباره دين الدولة "واستنادا إلى كل ذلك نصت المادة الأولى من القانون المدني على انه: "وإذا لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية" وهي النصوص التي تقرر أن الشريعة الإسلامية مصدرا للقانون الجزائري، وعنصرا من عناصر المشروعية فيه، وهو ما يفرض تحديد مدلول مبادئ الشريعة الإسلامية (أولا) ومرتبتها بين القواعد القانونية الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القوانين (ثانيا)
أولا: مدلول مبادئ الشريعة الإسلامية:
لقد اختلفت الآراء حول المقصود من عبارة (مبادئ الشريعة الإسلامية) ( ) المنصوص عليها في المادة 01 من القانون المدني، وخصوصا بالجمع بينها وبين قانون الأسرة التي تحيل إلى (أحكام الشريعة الإسلامية ) وكذلك نصوص الدستور التي ورد بها مصطلحات (الإسلام دين الدولة ) و(الخلق الإسلامي ) فما المقصود بهذه التعبيرات؟
لا شك أن المقصود من الإسلام أو الشـريعة الإسلامية أو الخلق الإسلامي إنما هو الجانب التشريعي أو الأحكام، باعتبارها تتوفر على خصائص القاعدة القانونية، وهو ما يصلح معه إدراجها ضمن مصادر القانون الرسمية، خلافا للجانب الديني البحت والمتعلق بالعقائد والعبادات فلا معنى لإدراجه في نصوص الدستور أو القانون، والمقصود بالمبادئ أي كليات الشريعة التي نصت عليها نصوص الوحي القطعية في الثبوت والدلالة أي القرآن والسنة، وهو ما يخرجها عن دائرة الخلاف، عكس الأحكام الجزئية فتتعدد بشأنها الآراء والمذاهب، وهو ما يجعل الإحالة عليها غير مجدية( ).
وترتيبا على ذلك يتعين القول بكون ما ذهب إليه بعض الفقه من كون المقصود من مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر للقانون، هو القواعد الكلية المشتركة بين مذاهب الفقه المختلفة، هو قول خلط بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، إذ الأول عبارة عن مبادئ عامة مصدرها القرآن والسنة، فيما يمثل الفقه الإسلامي ذلك الاجتهاد التفسيري والتفصيلي لتلك النصوص، فهو مجرد آراء اجتهادية بشرية، فلا يكون لها ذات الإلزام الذي تتصف به الأحكام الواردة في نصوص الوحي، هذا ناهيك عن بطلان الرأي القائل بكون المقصود بها هو آراء الفقهاء أو مذاهب الفقه الإسلامي كلها، إذ المبادئ كليات فيما الآراء والمذاهب جزئيات وتفصيلات.
وعلى ذلك، فلمبادئ الشريعة الإسلامية خصائص القاعدة القانونية، من عمومية وتجريد وغاية اجتماعية تنظيمية وجزاء، فيكون لها القابلية للتنفيذ دونما حاجة إلى تدخل المشرع أو القضاء( ).
ثانيا: مرتبة مبادئ الشريعة الإسلامية:
إن التسليم بالطبيعة القانونية لمبادئ الشريعة الإسلامية، والاعتراف لها بكونها احد عناصر المشروعية، يفرض التساؤل عن مرتبتها بين مصادر القانون الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية؟
الرأي الذي يدافع عنه اتجاه في الفقه وجرى العمل به، هو كون مبادئ الشريعة الإسلامية ليست أكثر من مصدر مادي للتشريع من جهة، ومصدر رسمي احتياطي يلجأ إليه القاضي إذا عازه النص التشريعي من جهة أخرى، غير أن هذا الرأي تعوزه الأسانيد القانونية الكفيلة بالإقناع به ، عكس الرأي الثاني الذي يرى في تلك المبادئ مصدرا رسميا للقانون، وأضفى عليها الطابع الدستوري، مما يجعلها أسمى من القواعد التشريعية واللائحة وكذلك القواعد الاتفاقية الدولية، وهذا الرأي يستند إلى الدلالة الحقيقية للنصوص الدستورية والتشريعية التي تحكم هذه المسألة، فمبادئ الشريعة الإسلامية تعد مصدرا رسميا احتياطيا للقانون حسب اتجاه في الفقه (I) وتعد مبادئ عامة للقانون ذات طبيعة دستورية حسب الاتجاه الآخر (II) .
I -الاتجاه الأول: مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرا احتياطيا للقانون: يرى جانب من الفقه أن مبادئ الشريعة الإسلامية تعتبر مصدرا رسميا احتياطيا للقانون يأتي بعد التشريع، وهو ما يفرض على القاضي أن لا يلجأ إليها إلا عندما يعوزه النص التشريعي الذي يفصل به في النزاع، ويستدل على ذلك بأمرين:
الأمر الأول: مدلول المادتين01 من القانون المدني و 222 من قانون الأسرة، فالمادتين تحيلان القاضي إلى مبادئ أو أحكام الشريعة الإسلامية إذا عازه النص التشريعي.
الأمر الثاني: مدلول النصوص الدستورية، فالدستور في ديباجته أو المادة 02 منه وجه المشرع للاقتباس من الإسلام واستلهام أحكامه وهو يسن التشريعات، فلا إلزامية لمبادئ الشريعة الإسلامية لا بالنسبة للمشرع ولا بالنسبة للقاضي، ومعنى ذلك أن النص الدستوري في المادة 02 لا يخاطب القاضي بل المشرع، وبالتالي فلا تأثير لهذا النص الدستوري على مكانه مبادئ الشريعة الإسلامية التي تبقى مصدر احتياطيا للقانون طبقا لنص المادة الأولى من القانون المدني.
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن النص الدستوري ليس أكثر من تأكيد لإحدى الحقائق الاجتماعية، وهي أن ديانة الشعب الجزائي هي الإسلام، وبالتالي يرشد ويوجه السلطة التشريعية إلى استلهام أحكام هذه الديانة في تشريعاتها، لا على سبيل الإلزام بل الاختيار.
الاتجاه الثاني: مبادئ الشريعة الإسلامية مبادئ دستورية: يرى طائفة من الفقهاء وعلى رأسهم الأستاذ عبد الرزاق السنهوري وكمال عبد الواحد الجوهري والدكتور سامي جمال الدين وغيرهم كثير، أن النصوص الدستورية تكرس الطابع الدستوري لمبادئ الشريعة الإسلامية( )، وبالتالي فهي مبادئ عامة للقانون بل تأتي على رأس تلك المبادئ، وهو ما يجعلها تـأتي في الترتيـب بعد الدستور، وقبل باقي مصادر القانون الأخرى، ويستند هذا الاتجاه إلى الحجج التالية:
الحجة الأولى: المدلول الحقيقي لنص المادة 02 من دستور 1996، والذي جاء فيه أن: "الإسلام دين الدولة" فهذا النص لا يقصد به الجانب الديني العقيدي باعتباره يشير إلى ديانة الشعب الجزائري، بل هو يشير إلىالنظام التشريعي في الإسلام، باعتباره النظام الملزم لكل السلطات والمؤسسات في الدولة، ومما يؤكد هذا الرأي أن مصطلح الدين في اللغة والمصطلح القرآني لا يقصد منه العقيدة والعبادات، وإنما التشريع والقانون، ويكفي للتدليل على ذلك قوله تعالى: "ومَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِك " ( )أي في نظامه وقانونه، وقوله تعالى : "الزَانِيَةُ والزَانِي فَاجلِدُوا كُل وَاحد مِنهُمَا مَائة جَلدَة ولاَ تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأفَة فِي دِين الله.."( ) ودين الله هنا تشريعه الجنائي بتحريم الزنا والمعاقبة عليه، فصار الدين بمعنى الأحكام أو المبادئ المشكلة لما يطلق عليه الشريعة الإسلامية، وأما العقيدة فيطلق عليها في المصطلح القرآني الإيمان لا الدين، وأن الدولة في المصطلح الدستوري لا يقصد بها الشعب، بل ما تظهر به الدولة بعد تكونها من مظـاهر سياسة أي السلطات الثلاث، ومظـاهر قانونية أي النظام القانوني، فالدولة بهذا المعنى هي تعبير عن نظام أو بناء قانوني ومؤسساتي، وعلى ذلك فالمقصود من المادة 02 من الدستور هو أن النظام التشريعي الإسلامي هو القانون الأعلى،والمشروعية العليا التي تنبثق منها كافة القواعد القانونية في الدولة، فتكون أحكام الشريعة الإسلامية مصدرا رسميا شكليا للقانون، وتأخذ مرتبة المبادئ الدستورية، فلا يعلوها إلا الدستور، بينما تكون أسمى من القواعد الاتفاقية الدولية والتشريعية واللائحية( ) ، ولا شك أن الخطاب موجها لكافة سلطات الدولة، فالمادة 08 من الدستور تلزم المؤسسات العامة بان تجعل إحدى غاياتها المحافظة على الإسلام، باعتباره إحدى مكونات هوية الشعب الجزائري، والمادة 09 منه قررت أنه لا يجوز لهذه المؤسسات أن تقوم بالسلوك المخالف للخلق الإسلامي، والمادة 76 منه تفرض على رئيس الجمهورية في اليمين التي يؤديها أن يلتزم بحماية الدين الإسلامي وتمجيده، وفي نفس الاتجاه ألزمت المادة 178 المؤسس الدستوري أثناء تعديله أحكام الدستور أن لا يمس الإسلام باعتباره دين الدولة، ومعنى ذلك أن الخطاب بنص المادة 02 من دستور 1996 هو خطاب موجه للدولة بكافة مؤسساتها وسلطاتها، بأن تجعل من أحكام الشريعة الإسلامية قانونها الأعلى، وتأكيدا على ذلك يضيف أصحاب هذا الاتجاه أن المادة 02 وردت في باب الأحكام العامة، وهذه الأحكام لا تخاطب المشرع وحده كما يقول أصحاب الاتجاه الأول، بل توجه الخطاب لكافة سلطات الدولة بما فيها القضاء، وخصوصا إذا نظرنا إليها بالموازاة مع النصوص الدستورية سالفة الذكر .
الحجة الثانية: الطبيعة القانونية لنص المادة 02 من دستور1996: إن القول بان النص الدستوري المتمثل في المادة 02 قد ورد على سبيل الإرشاد والتوجيه، وليس الإلزام مردود عليه، لكون نصوص الدستور بطبيعتها لا تحمل هذا المحمل إلا بقرينة، وان المادة 02 وردت في صدر أحكام الدستور، مما يجعلها نصا آمرا لكل السلطات العامة في الدولة، وان هذه المادة وردت في باب المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري ،وهو ما بجعلها تأتي في قمة المبادئ العامة للقانون، والتي يعترف لها الفقه بالطابع الدستوري، ويجعلها من النظام العام، ومعنى ذلك أن النص الدستوري الوارد في المادة الثانية لا يقدم توجيهات بل يفرض التزامات لا سبيل إلى مخالفتها لكونها من النظام العام، وتتمثل هذه الالتزامات في ضرورة الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية عند سن القواعد القانونية أو عند تطبيقها، ومعنى ذلك أن هذه المبادئ أسمى من القواعد القانونية الأخرى بما فيها القواعد الاتفاقية الدولية والقواعد التشريعية، وبالتالي فعلى المشرع أن يرجع إليها عند سنه التشريعات أو الموافقة على الاتفاقيات الدولية، وإذا خالفها عد ذلك مخالفا للدستور.
وبالتأكيد فإن النص الدستوري رتب ذات الالتزام على القاضي مثله مثل المشرع تماما، باعتبار أن مبادئ الشريعة الإسلامية تمتاز بالطابع الدستوري، وبالتالي فإن القاضي وهو يراقب مدى مطابقة النص التشريعي لمبادئ الشـريعة الإسلامية، فإنه يقوم بذلك إعمالا لنص دستوري، فيكون كأنه يطابق بين النص التشريعي والدستور( ).
وخلاصة ما سبق، أن المقصود من مبادئ الشريعة الإسلامية هو الأحكام القطعية الواردة في القرآن والسنة، وليس الأحكام الفقهية التي استنبطها الفقهاء، وان هذه المبادئ تتمتع بميزات وخصائص القاعدة القانونية، وهو ما يجعلها قابلة للنفاذ بذاتها ودونما حاجة إلى تقنينها من طرف المشرع، ذلك أنها أضحت بالنص الدستوري مصدرا رسميا للقانون في الجزائر، باعتبارها من المبادئ العامة للقانون الكامنة والمستقرة في ضمير ووجدان الشعب الجزائري، وأنها بهذه الصفة تتمتع بقوة إلزامية تجعلها تأتي بعد الدستور، وتعلوا باقي القواعد القانونية الأخرى في تدرج القواعد القانونية( ).
الفرع الثاني
القـواعـد العـرفـيـة
اعترف المشرع في المادة الأولى من القانون المدني بالعرف كمصدر للقانون، وكذلك المادة الأولى مكرر من القانون التجاري، كما أحالت عديد المواد الأخرى إلى القـواعد العـرفية، ومنها المادة 387،388،389 من القانون المدني التي أوردت عبارة: "ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضيان بغير ذلك" وبالتالي فقد اعترف المشرع للقواعد العرفية بكونها قواعد قانونية ملزمة بذاتها دوما حاجة إلى تدخل القاضي أو المشرع، وهو ما يفرض تحديد مدلول القواعد العرفية (أولا) ومرتبتها بين القواعد القانونية طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية(ثانيا)
أولا: مـدلـول القـواعـد العرفـية:
يقصد بالقواعد العرفية تلك القواعد القانونية الناشئة عن سلوك مضطرد للأفراد أو الهيئات بخصوص أمر ما على نحو معين، مع اعتقادهم بان هذا السلوك ملزم لهم، وهذا الاعتقاد هو الذي يمنح العرف طابعه القانوني، وعلى ذلك، فالقواعد العرفية هي قواعد قانونية (I) غير مسنونة (II)
I- القـواعـد العرفيـة قـواعـد قانونيـة: لا شك أن الاعتراف للقواعد العرفية بكونها قواعد قانونية، معناه الاعتراف بأن العرف مصدرا من المصادر الرسمية للقانون، وبالتالي تكون لهذه القواعد العرفية قوة إلزام ذاتية دونما حاجة لتدخل المشرع أو القاضي، ويترتب على الاعتراف بالقواعد العرفية كقواعد قانونية عدة نتائج منها: أن القواعد العرفية ملزمة للأفراد ولو كانوا يجهلونها، وكذلك الشأن بالنسبة للهيئات العامة، والتزام المحكمة بتطبيق القواعد العرفية من تلقاء نفسها ودونما انتظار التمسك بها من احد المتقاضين، ويكون تطبيقها وتفسيرهـا بنفس طريقة تطبيق وتفسير القـواعد القانونية الأخرى، وأن القاضي يخضع لرقابة المحكمة العليا على صحة تطبيق العرف طالما ثبت لدى القاضي وجوده.
II-القواعد العرفية غير مسنونة: إن القواعد العرفية هي قواعد قانونية ملزمة، رغم أنها لم تصدر عن السلطة المختصة في الدولة بالتشريع، بل هي قواعد غير مسنونة استقرت في ضمير المجتمع على أنها ملزمة، فتكون القواعد من إنشاء ضمير المجتمع وليس المشرع.
ثانيا: مـرتبـة القـواعـد العـرفـيـة:
إن الاعتراف للعرف بكونه مصدرا رسميا للقانون، يفرض البحث عن مرتبته الإلزامية بين مصادر القانون الأخرى( )، و هذه المسألة تحكمها المادة الأولى من القانون المدني، والمادة الأولى مكرر من القانون التجاري، إضافة لعديد المواد المدنية والتجارية الأخرى التي تحيل إلى قواعد العرف، وبناء على تلك المواد فإن القواعد العرفية تأتي بعد التشريع ومبادئ الشريعة الإسلامية،فيكون العرف مصدرا رسميا احتياطيا ( )يأتي بعد التشريع ومبادئ الشريعة الإسلامية، ويترتب على ذلك أن القاضي لا يلجأ إلى القواعد العرفية إلا إذا عازه النص التشريعي، ولم يجد مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية يحكم المسألة(I) على أن أولوية التشريع على العرف إنما تتعلق بالقواعد الآمرة في التشريع لا القواعد المكملة (II).
I- أن القاضي لا يلجأ إلى القواعد العرفية إلا إذا عازه النص التشريعي ولم يجد مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية يحكم المسألة، ومعنى ذلك أن التشريع ومبادئ الشريعة الإسلامية أسمى من القواعد العرفية .
II- أن أولـوية التشريع على العرف إنما تتعلق بالقـواعد الآمرة في التشريع لا القواعد المكملة أو المفسرة، فتلك القواعد يلاحظ أن المشرع جعل القواعد العرفية مفضلة عليها، لكونها قواعد لا إلزامية لها إلا عند غياب العرف أو الاتفاق، ومن ذلك ما نصت عليه المادة 387 من القانون المدني التي نصت على أنه: "يدفع ثمن البيع في مكان تسليم المبيع مالم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك".
الفرع الثالث
القـانــون الطـبـيعي
اعتبر المشرع الجزائري القانون الطبيعي من بين مصادر القانون الرسمية، وذلك ما نصت عليه المادة الأولى من القانون المدني التي نصت على أنه :" فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة " كما نص في عديد المناسبات على قواعد العدالة، ومنها المادة 65 و107 و110 من القانون المدني، ويلتزم رئيس الجمهورية والقضاة في اليمين التي يؤدونها أثناء تنصيبهم بالسعي لتحقيق مبادئ العدالة، وهو ما يفرض تحديد المقصود من القانون الطبيعي(أولا) ومرتبته بين مصادر القانون الأخرى في تدرج القواعد القانونية (ثانيا).
أولا:مدلـول القانـون الطبـيعي:
تحيل المادة الأولى من القانون المدني إلى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فما هو القانون الطبيعي؟ وما هي قواعد العدالة ؟أهما شيئان مختلفان ؟ أم شيء واحد يدل عليه لفظان ؟
يتفق الفقه( ) على أن لفكـرة القانون الطبيعي جـذورا في المدنيات القديمة، أي لدى اليونان والرومان، وانتقلت منها إلى القانون الكنسي ثم إلى القانون الفرنسي القديم فالحديث، و منه انتقلت إلى القوانين الحديثة، لكن أول ما ظهرت هذه الفكرة كنظرية متميزة على يد القديس توما الإكويني، وفي القوانين الحديثة أبرز الفكرة الفقيه جرو تيوس باعتباره مؤسس القانون الطبيعي الحديث، والذي عرف القانون الطبيعي بقوله: "القاعدة التي يوحي بها العقل القويم والتي بمقتضاها يتعين الحكم بأن عملا معينا ظالم أو عادل لكونه مخالفا أو موافقا للمعقول، وبأن الله منشئ الطبيعة ينهى عنه أو يأمر به.."
وقد بدأت فكرة القانون الطبيعي كنظام قانوني متكامل ينظم جميع علاقات الناس في مختلف البلاد والعصور، نظاما موجودا في الطبيعة ويصل إليه الإنسان من طريق العقل، ويشمل أمرين:
الأول: هو المبادئ الأساسية قليلة العدد، والتي تشكل ما يسمى لدى الفقه القانون الطبيعي المبدئي، الثاني: هو مجموعة كاملة من القواعد التفصيلية التي يتكون منها ذلك النظام القانوني الأزلي.
ومعنى ذلك أن عبارة القانون الطبيعي تدل على معنيين :
المعنى الأول: المبادئ الأساسية قليلة العدد، والتي يطلق عليها الفقه القانون الطبيعي المبدئي.
المعنى الثاني: القواعد التفصيلية المتفرعة عنها لتحقيق العدالة في الحالات الخاصة، ويتضمنها ما يسميه الفقه القانون الطبيعي التطبيقي أو الثانوي أو قواعد العدالة.
وهذا الازدواج في المفهوم، هو الذي يفسر لنا الخلاف الفقهي بشأن القانون الطبيعي، ويقف وراء العديد من الانتقادات الموجهة إليه، ويأتي على رأس هذه الانتقادات أنها فكرة فلسفية غامضة.
ويظهر أن المشرع الجزائري بالإحالة الواردة في المادة الأولى من القانون المدني من أنصار القانون الطبيعي، متجاوزا بذلك الجدل الفقهي حوله وما وجه إليه من انتقادات، ولكنه مع ذلك رأى أن يجمع بين الفكرتين، حيث أحال إلى المبادئ القليلة العدد التي لا تتغير، كما قصد بقواعد العدالة الإحالة إلى القواعد التفصيلية التي يستطيع القاضي أن يفرعها على تلك المبادئ الثابتة لتحقيق العدالة في كل حالة على حدة.


ثانيا:مرتبـة القانـون الطبيـعي:
إن المادة الأولى من القانون المدني منحت للقانون الطبيعي –مبادئ وقواعد تفصيلية – مركزا بين المصادر الرسمية للقانون، وجعلته مصدرا رسميا احتياطيا( ) يأتي بعد التشريع ومبادئ الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية، لأن القاضي لا يعود إلى القانون الطبيعي إلا حيث لا يجد نصا تشريعيا ولا مبدأ في الشريعة الإسلامية ولا قاعدة عرفية، وذلك معناه، أن المشرع وإن جارى أنصار القانون
الطبيعي واعتبره مصدرا رسميا للقانون، فهو لم يجارهم في المرتبة الممنوحة له في سلم التدرج القانوني، إذ يرى أنصار القانون الطبيعي أن مبادئ القانون الطبيعي تهيمن على النظام القانوني كله وتمثل المثل الأعلى الثابت المشترك بين جميع البشر، تماما مثلها مثل القواعد الدستورية، بل أعلى منها، وعلى النقيض من ذلك هاجم أنصار المذهب التاريخي فكرة القانون الطبيعي، ورأوا أنه من العبث البحث عن قواعد قانونية اعتمادا على افتراضات فلسفية غامضة وفضفاضة، ولذلك دعوا إلى الاستغناء عن فكرة القانون الطبيعي، وتوسطا بين أنصاره ومنتقديه، اعترف المشرع الجزائري أسوة بالمشرع الفرنسي وغيره من التشريعات المقارنة، بمركز المصدر الرسمي الاحتياطي للقانون الطبيعي.
والحقيقة أن عبارة القانون الطبيعي وقواعد العدالة لاترد القاضي إلى ضابط يقيني، وإنما هي تلزمه أن يجتهد رأيه حتى يقطع عليه سبيل النكول عن القضاء، وهي تقتضيه في اجتهاده هذا أن يصدر عن اعتبارات موضوعية عامة لا عن تفكير ذاتي خاص، فتحيله إلى مبادئ وقواعد كلية تنبه تارة إلى القانون الطبيعي وتارة إلى العدالة. وإزاء ذلك آثر المشرع أن يبقي على هذا التعبير، وييسر على القضاء أسباب الاجتهاد، ففي كنف مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة أنشأ القضاء الفرنسي وبعده القضاء المصري و غيرهما نظرية متكاملة للمبادئ العامة للقانون، وهي مصدر آخر للقواعد القانونية في الدولة من إنشاء القضاء، كانت فكرة القانون الطبيعي وقواعد العدالة وراء إنشائها، وهو موضوع الفرع التالي.
الفرع الرابع
المبـادئ العامـة للقانـون
إضافة للقواعد القانونية سالفة الذكر، يذكر الفقه و القضاء نوعا آخر من القواعد القانونية غير المكتوبة أي التي لم تضعها السلطات المختصة بالتشريع في الدولة، و يتعلق الأمر بما يطبق عليه الفقه و القضاء المبادئ العامة للقانون، و إنما تأخر الحديث عنها تماشيا مع النص القانوني الوارد في المادة الأولى من القانون المدني حيث أغفل الإشارة إليها، فاقتضت المنهجية تأخير الحديث عنها إلى ما بعد دراسة القواعد القانونية التي كرسها المشرع، فالمبادئ العامة للقانون إنشاء قضائي محض، و رغم ذلك يتفق الفقه و القضاء على اعتبارها قواعد قانونية ملزمة، فتكون جزء من عناصر المشروعية.
وبالنظر لسكوت المشرع عن هذه المبادئ، وندرة الأحكام القضائية الجزائرية التي تكرسها وتستند عليها في قضائها، فإنه من اللازم تحديد مدلول هذه المبادئ(أولا) ومرتبتها الإلزامية بين مصادر القانون الأخرى طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (ثانيا).
أولا: مـدلـول المبـادئ العامـة للـقانـون:
تعرف المبادئ بكونها ( )مجموعة من الوقائع العامة التي تتغير ببطء في مجموعها، ويكون لها جموداًَََ نسبيا عند تطورها مع بقية الوقائع، وتقف المبادئ على حدود القانون حيث تحكمه وترشد القاضي الذي عادة ما يكون باعثا لها، فالمبادئ العامة للقانون هي قواعد غير مشرعة، يستنبطها القضاء من المقومات الأساسية للمجتمع وقواعد التنظيم القانوني في الدولة، ويقررها في أحكامه باعتبارها قواعد قانونية ملزمة، ولذلك عرفت بكونها: " مجموعة من القواعد القانونية الأساسية أو الجوهرية التي تلتزم الإدارة بمراعاتها في قراراتها الفردية وأيضا اللائحية في كل مظاهرها، وتكون لها بالتالي قوة قانونية ولكنها مع ذلك غير مكتوبة فهي لا تستند مباشرة لنص قانوني مكتوب وإنما تجد مصدرها المباشر في القضاء" وعرفها الأستاذ De Laubadére في مؤلفه عن القانون الإداري بقوله:" أن اصطلاح المبادئ العامة يطلق على عدد من المبادئ التي لا تظهر مصاغة في نصوص مكتوبة ولكن يعترف بها القضاء باعتبارها واجبة الاحترام من الإدارة وأن مخالفتها تمثل انتهاكا للمشروعية".
وأشار الأستاذ نفسه قائلا:
« on appelle ainsi un certain nombre de principes qui ne figure pas dans textes...mais que la jurisprudence reconnaît comme devant être respectes par l’administration leur violation constituant une illégalité »( ).
فهو يعتبرها المصدر غير المكتوب الأكثر أهمية لقواعد المشروعية، ومن كل تلك التعريفات السابقة يمكننا استخلاص أن هذه المبادئ أنشأها القضاء (I) ورغم ذلك تعتبر قواعد قانونية ملزمة(II).
I- المبادئ العامة للقانون نظرية قضائية: بمعنى أن الفضل في استخلاصها وتقريرها كقواعد قانونية ملزمة يرجع لمجلس الدّولة الفرنسي من خلال أحكامه، ثمّ صارت تلك المنهجية معتمدة في قضاء عديد الدول كمجلس الدولة المصري، وفي القضاء الجزائري نجد أن مجلس الدولة قد كرسها في عديد قراراته، ومنها القرار المؤرخ في 27/07/1998( )الذي جاء في إحدى حيثياته: "حيث أن القاضي مثله مثل كل موظف للدولة يستفيد وجوبا بحقوق مضمونة دستوريا وأن القاضي الإداري ملزم بمراقبة احترام هذه الضمانات" وهي الحيثية التي تبين أن مجلس الدولة استند إلى مبدأ عام، وهو مبدأ المساواة وفي قرار لاحق مؤرخ في 17/01/2000 أكد مجلس الدولة هذا الاتجاه( ).
II- المبادئ العامة للقانون نظرية مستقلة( ): رغم أن المبـادئ العـامة للقـانون قواعد غير مكتوبة، أنشأها القضاء، إلا أنها قواعد أساسية وجوهرية، بمعنى أنها تكاد تفوق أهميتها الموضوعية أهمية القواعد المكتوبة، فهي حسب مفوض الحكومة Letourneur مبادئ كبرى، ويصفها أيضا مفـوض الحكومة Gentot في تقـريره عن حكم Dame David في 04/10/1974 بـأنها تعبر أو تعكس الأفكار المقبولة من الكافة، والتي تؤسس نظامنا القانوني ( )،ويكفي أن نذكر أمثلة لها ليتبين مدى أهميتها واستقلاليتها كمصدر من مصادر القانون، كمبدأ المساواة أمام القانون و المساواة أمام القضاء ومبدأ احترام حقوق الدفاع ومبدأ الحقـوق المكتسـبة ومبـدأ تدرج القواعد القانونية، فالمبادئ العـامة للقـانون تمثل مجموعة قانونـية متكـاملة يكشفها ويصيغها القضاء اعتمادا على القواعد القـانونية، وأسس نظام الحكم في الدولة ونظمها المختلفة التي تتضمن الخطوط العريضة والاتجاهات العامة، بحيث تكون المبادئ القانونية العامة بمثابة تفسير من جانب القضاء للضمير العام ولإرادة المشرع .
ثانيا: مرتبة المبادئ العامة للقانون:
لقد اختلف الفقه والقضاء حول مرتبة هذه المبادئ بين القواعد القانونية الأخرى، إذ يرى الأستاذ Letourneur أن لها على وجه الخصوص قيمة القانون المكتوب أي قيمة التشريع العادي، فتكون ملزمة لكافة السلطات على اختلاف درجاتها حتى رئيس الجمهورية، ومادامت كذلك فإنه لا يحق إلاّ للمشرع وحده مخالفتها، أماّ اللوائح فلا يجوز أن تأتي مخالفة لها لكونها أقل مرتبة منها في تدرج القواعد القانونية. وهذا الاتجاه يجد تبريره في كون فرنسا قبل دستور 1958 لم يكن متصورا منح أي نوع من الرقابة على دستورية القوانين للقضاء، وبالتالي لايمكن منح تلك المبادئ قيمة دستورية لأن في ذلك اعتراف بنوع من الرقابة الدستورية للقضاء.
غير أنه بعد دستور 1958 في فرنسا، بدأ الخلاف يظهر بين الفقهاء حول القيمة القانونية للمبادئ العامة، حيث ظهر الرأي الذي يعليها إلى مرتبة القواعد الدستورية، فتكون أعلى من التشريع الصادر من البرلمان، وهو ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في عديد أحكامه، فمثلا إزاء قوانين التطهير الإداري التي لم تعط للموظفين حق الدفاع ولا أي ضمانات جدية، أعلن مجلس الدولة ضرورة أن تحترم إجراءات التطهير مبدأ احترام حقوق الدفاع عكس نصوص القانون، وفي قضية تمّ الطعن فيها أمام مجلس الدولة الفرنسي بدعوى تجاوز السلطة ضد قرار المكتب المكلف بمراقبة وإعلان نتائج انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء والذي قراراته غير قابلة للطعن فيها حسب المادة08 من قانون 1947( ) ومما جاء في حيثياته : « qu’en l’absence de tout prescription édictant expressément une solution contraire les disposition précités, qui excluent uniquement le recours de plein contentieux ne sauraient avoir pour conséquence de les priver du recours pour excès de pouvoir qui leur est ouvert en cette matière comme dans tout les autres en vertu dés principes généraux du droit ».
بل ذهب مجلس الدولة الفرنسي لما هو أبعد، عندما أقر بأحقية الطعن بتجاوز السلطة في قرار إداري نص القانون صراحة على أنه غير قابل للطعن إداريا و قضائيا، لكون ذلك الطعن قائما و لو دون نص ما دام يضمن احترام الشرعية إذ جاء في إحدى قراراته( ) :
« le recours pour excès de pouvoir ….a pour effet d’assurer conformément aux principes généraux du droit le respect de la légalité »
و في نفس الاتجاه، نجد القضاء الجزائري يقضي في قراراه المؤرخ في 27 /07/1998 ( )سالف الذكر بأن "القاضي مثله مثل كل موظف للدولة يستفيد وجوبا بحقوق مضمونة دستوريا و أن القاضي الإداري ملزما بمراقبة احترام هذه الضمانات" فمجلس الدولة استند إلى مبدأ المساواة لاستبعاد صريح نص المادة 99/02 من القانون الأساسي للقضاء القديم، إذ قبل الطعن في قراراه التأديبي بتجاوز السلطة خلافا لما نصت عليه المادة من عدم قابليته للطعن، و هو ما أكد عليه في قرار لاحق بتاريخ 17/01/2000 ( )إذ قرر أن "الطعن من أجل تجاوز السلطة موجود حتى و لو لم يكن هناك نص و يهدف إلى ضمان احترام مبدأ القانونية طبقا للمبادئ" فمجلس الدولة رجع إلى المبادئ القانونية العامة لاستبعاد نص المادة 99/02 من القانون الأساسي للقضاء القديم، و هو ما يكشف أن مجلس الدولة الجزائري ساير موقف مجلس الدولة الفرنسي من كون المبادئ العامة للقانون هي مبادئ دستورية فلا يجوز للمشرع مخالفتها.
ومن ثم فإن نظرية المبادئ العامة للقانون بحكم تعريفها و خصائصها هي نظرية غير مكتوبة، فتطبق حتى في غياب النص، و تستمد قوتها الملزمة من السلطة الخلاقة للقاضي الإداري، فهي تحل محل النص التشريعي الغائب، بل و تضمن تفسيرا ملائما لقواعد المشروعية للنص التشريعي المعيب، كما تضمن الوحدة و الانسجام للنظام القانوني، إذ تفرض سلطانها حتى على التشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية، بل و تعتبر هذه المبادئ وسيلة القاضي لبسط رقـابته الدستـورية على القـوانين و اللوائح و لو بصورة غير مباشرة.
وخلاصة ما سبق أن القواعد القانونية بنوعيها المكتوبة وغير المكتوبة تتدرج فيما بينها من حيث قوتها الإلزامية إلى عدة مراتب يعلوا بعضها البعض، وذلك حسب الترتيب التالي:
-فتأتي القواعد الدستورية في قمة التدرج القانوني.
-تليها المبادئ العامة للقانون وفي مقدمتها مبادئ الشريعة الإسلامية.
-وبعدها القواعد الاتفاقية الدولية.
-وتليها القواعد التشريعية التي تأتي في مقدمتها القوانين العضوية فالأوامر التشريعية المتعلقة بقوانين المالية أو الصادرة في الظروف الاستثنائية والقواعد اللائحية الصادرة في الظروف الاستثنائية وبعدها الأوامر التشريعية في الظروف العادية .
-ثم القواعد اللائحية الصادرة في الظروف العادية.
-وبعد ذلك القواعد العرفية .
-وأخيرا تأتي قاعدة الهرم القانوني مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
المبحث الثاني
نتائج مبدأ تدرج القواعد القانونية
إذا كان مقتضى مبدأ المشروعية هو خضوع السلطات العامة لحكم القانون خضوع الأفراد له، فإن أهم الضمانات الكفيلة بذلك هو مبدأ تدرج القواعد القانونية، إذ أن النتيجة الطبيعية له هي خضوع كل سلطة عامة تنشئ القواعد القانونية أو تنفذها إلى أحكام القواعد القانونية التي تعلوها مرتبة، حتى يكون عملها مطابقا لمبدأ المشروعية، فإذا خرجت عليها وخالفت نتائج تدرج القواعد القانونية، فإنها تفقد أعمالها قيمتها القانونية فتجيء باطلة ولا تترتب آثارها المبتغاة منها( ) .
وعلى ذلك فمن الضروري تحديد النتائج المترتبة على تدرج القواعد القانونية، ونظرا لأهمية وخصوصية القواعد الدستورية فستتم دراسة نتائج المرتبة التي منحت لها في سلم التدرج القانوني (مطلب أول ) ثم دراسة نتائج التدرج القواعد القانونية الأخرى(مطلب ثاني ).
المطلب الأول
نتائـج سـمو القـواعـد الدسـتورية
إذا تقرر سمو القواعد الدستـورية على كل القواعد القـانونية السارية المفعول في الدولة، فمؤدى ذلك، هو خضوع كل القواعد القانونية لأحكام القواعد الدستورية، سواء من حيث الشكل أو من حيث الموضوع، ومعنى ذلك أن مبدأ سمو القواعد الدستورية هو مبدأ عام يتوجب على جميع السلطات العامة في الدولة احترامه، والنزول عند مقتضياته( ). وقد جاء في ديباجة دستور 1996: "أن الدستور فوق الجميع وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات، ويكفل الحماية القانونية ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية ويتحقق فيه تفتح الإنسان بكل أبعاده" وعلى ذلك فكل سلطة عامة ملزمة بالخضوع لقواعد الدستور سواء كانت سلطة تشريعية (الفرع الأول) أو سلطة تنفيذية (الفرع الثاني ) أو سلطة قضائية (الفرع الثالث ) .
الفرع الأول
خضوع السـلطة التـشريعية للقـواعـد الدسـتورية
ما دام أن القواعد الدستورية والمبادئ العامة للقانون بما فيها مبادئ الشريعة الإسلامية التي تأتي في مقدمتها باعتبارها ذات طابع دستوري، تأتي في مرتبة أسمى من القواعد القانونية الأخرى بما فيها القواعد التشريعية الصادرة عن السلطة التشريعية، فما هي نتائج هذا الترتيب ؟
إن المرتبة تلك تقود إلى نتيجة أساسية مفادها خضوع السلطة التشريعية عند سنها القواعد القانونية لأحكام القواعد الدستورية والمبادئ العامة للقانون ذات الطابع الدستوري، أي أن تكون كل أعمالها ضمن الحدود المقررة في الدستور فتخضع له شكلا (أولا) وموضوعا (ثانيا) .
أولا: الخـضوع الشـكلي للقـواعـد الدسـتوريـة :
ومعناه أن يصدر التشريع عن السلطة التشريعية في نطاق اختصاصها (I) وعلى مقتضى الإجراءات المقررة في الدستور لإصدار ره (II)
I- احترام قواعد الاختصاص: ذلك أن الدستور حدد المجال الذي تختص السلطة التشريعية بالتشريع في نطاقه( )، فلا يجوز لها سن قوانين خارجه، إذ يعد ذلك مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات، وخروجا عن مجال اختصاصها وبالتالي يجئ قانونها مخالفا للدستور، فتنص المادة 122 من الدستور: " يشرع البرلمان في الميادين التي يخصصها له الدستور وكذلك في المجالات الآتية ..." وحددت المادة ثلاثون مجالا يختص البرلمان بالتشريع فيها بموجب قوانين عادية، وأضافت المادة 123 :"إضافة للمجالات المخصصة للقوانين العضوية بموجب الدستور يشرع البرلمان بقوانين عضوية في المجالات الآتية ..."وحددت المادة سبعة مجالات للقوانين العضوية ، ثم قررت المادة 125من الدستور أن المسائل التي تخرج عن المجال المخصص للقانون والمحجوز للسلطة التشريعية يندرج ضمن الاختصاص التنظيمي الممنوح لرئيس الجمهورية، وإضافة إلى ذلك فإن البرلمان لا يندرج في اختصاصه التشريعي إلا وضع القواعد العامة والمبادئ الأساسية فحسب ، فلا يمتد اختصاصه لوضع القواعد التفصيلية، وذلك لكون الدستور أحيانا يمنحه الاختصاص بوضع المبادئ الأساسية فقط، ويبقي المجال لوضع باقي القواعد التفصيلية للسلطة التنفيذية بمقتضى سلطتها اللائحية (التنظيمية)، ومنها الاختصاص بوضع القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة والتهيئة العمرانية والنظام العام للغابات والأراضي الرعوية طبقا لنص المادة 122 من الدستور، ففي مثل هذه الحالات يتوقف دور البرلمان على وضع القواعد العامة والمبادئ الأساسية فقط، ضف إلى ذلك أن هناك حقوقا وحريات لا يمكن للسلطة التشريعية ولا لغيرها المساس بها، إذ لها سلطة تنظيمها فحسب، ولا يمكنها منعها، إذ المنع من اختصاص المؤسس الدستوري وحده، ولو صدر تشريعا عن البرلمان يمنع واحدا من تلك الحقوق والحريات، فإنه يكون مشوبا بعيب عدم الاختصاص وبالتالي غير دستوري، وعلى ذلك فاختصاص السلطة التشريعية يتحدد بمجال حصري لا يجوز تجاوزه، لأن في ذلك اعتداء على اختصاص السلطة التأسيسية (المجال المحجوز للدستور )أو عل اختصاص السلطة التنفيذية ( المجال المخصص للتنظيم).
ومن زاوية أخرى، فإن السلطة التشريعية لا يمكنها تفويض اختصاصها بالتشـريع، ذلك أنها لا تمارس حقا شخصيا، ولكنها تمارس اختصاصات دستوريـة باعتبارهـا مفـوضة مـن طرف الشعب، ومؤدى ذلك أنه لا يجوز لها أن تفوض هذا الاختصاص، وتقوم في وجه تفويض الاختصاص التشريعي استحالة دستورية سببها أن هذا التفويض يقع خلافا لما صرح به الدستور، الذي منح سلطة التشريع لجهة محددة، فإذا قامت تلك الجهة بتفويض اختصاصها لجهة أخرى، فإنها بذلك قد عدلت الدستور فيما يتعلق بتوزيع الاختصاصات المقررة فيه بإرادتها المنفردة، وبالإجراءات العادية، وفي ذلك مخالفة للقواعد المتعلقة بتعديل الدستور. وعلى ذلك فإنه لا يجوز للبرلمان تفويض اختصاصه الذي منحه إياه الدستور لغيره طالما لم يبح له الدستور ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يحتج للرد على هذا الرأي بما أجازه الدستور لرئيس الجمهورية من التشريع بأوامر في حالات معينة، إذ يعد ذلك تفويضا دستوريا استثنائيا لا يجوز أن يفوض ولا أن يقاس عليه( ).
II- احترام الشكل والإجراءات الدستورية: من المستقر عليه فقها وقضاء أن احترام السلطة التشريعية للشكل والإجراءات المقررة دستوريا لإصدار القوانين يمثل الشرط الأساسي لوجود القانون، بحيث إذا خرجت السلطة التشريعية عن مقتضى الإجراءات الدستورية عند قانونها غير موجود، وغير واجب النفاذ والتطبيق، فحتى يكون التشريع دستوريا يجب أن يكون قد استوفى الشكل الذي أوجبه الدستور واهم مسائل الشكل في التشريع هي الإجراءات الـتي يجـب إتبـاعها لاستصدار التشريع من البرلمان، وهذه الإجراءات تجد أسسها مدونة في الدستور، وتفصيلاتها مبسوطة في النظامين الداخليين للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وتتعلق الإجراءات الدستورية بزمان ومكان وكيفية فحص مشروع القانون والتصويت عليه والأغلبية اللازمة لإقراره ونظام اجتماع المجلسين ونصاب صحة الاجتماع، ونحو ذلك. والغالب أن الإجراءات الواردة في الدستور جوهرية، يترتب على مخالفتها بطلان التشريع، فيما تتنوع الإجراءات الواردة في النظامين الداخليين إلى إجراءات جوهرية، وأخرى غير جوهرية، فتكون تنظيمية فحسب، ولا يترتب على مخالفتها بطلان التشريع.

ثانيا: الخضـوع الموضـوعي للقواعـد الدسـتورية:
ويقصد به( ) أن تظل السلطة التشريعية أثناء ممارستها وظيفة التشريع وفيه لثقة الشعب، من خلال احترامها لإرادته التي ضمنها في الدستور، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطة التأسيسية، فيتوجب على السلطة التشريعية أن تلتزم باحترام القيود الموضوعية الواردة بالدستور(I) وأن تعمل من خلال ما تضعه من تشريعات على تحقيق المصلحة العامة (II)
I-التزام السلطة التشريعية بالقيود الدستورية: تنص المادة 98 من الدستور عل أن: "البرلمان له السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه" وبالتالي فله الحرية في التـدخل لسن التشـريع وقتما يشاء، وأن يضمنه من المسائل ما يشاء، ويقتبس الأحكام التي يدرجها في تشريعه من أي مصـدر شاء، وهذا الطرح يعد مقتضى طبيعيا لكون السلطة التشريعية معبرة عن إرادة الشعب، وهو صاحب السلطة الحرة والسيدة، فيكون لممثليه ذات السيادة في وضع التشريعات، غير أنه يلاحظ أن الدستور أورد قيودا على اختصاص البرلمان بالتشريع، ويتعين على البرلمان احترامها نزولا عند مبدأ تدرج القواعد القانونية، ومن هذه القيود الموضوعية:
1-قيود متعلقة بالحريات والحقوق العامة: فلا يجوز له نقضها أو إلغاؤها أو الانتقاص منها، ومن ذلك ما تنص عليه المادة :29 من دستور 1996: " كل المواطنين سواسية أمام القانون ولا يمكن أن يتذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد أو العرق أو الجنس أو الرأي أو أي شرط أو ظرف آخر شخصي أو اجتماعي " فحق المساواة حق عام مطلق لا يجوز تحديده، وإذا صدر تشريع يحدد من هذا الحق بأن يجعـل لطـائفة من المواطنين امتيـازا على غيـرها من الطوائف مما يخـل بحق المساواة، أو أعفى طائفة منهم من بعض الواجبات والتكاليف كان غير دستوري،والمادة 45 منه: "كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون " فإذا وضع البرلمان تشريعا يقيم التجريم على قرائن فإنه يعد مخالفا لقرينة البراءة التي لا ترتفع إلا بحكم جنائي نهائي تصدره هيئة قضائية عادية في محاكمة عادلة احترمت فيها الضمانات القانونية، عد ذلك التشـريع مخـالفا للدستور، كحالة التشريع الجمركي الذي أقام الإدانة على قرائن مما يعد مخالفـا لهـذا النص الدستوري، وقد عرضت نصوصا مشابهة للنصوص الجمركية الجزائرية على المحكمة الدستورية العليا المصرية فحكمت بعدم دستورية تلك النصوص التي أقامت الإدانة على قرائن قانونية، و هكذا الشأن مع كل الحقوق و الحريات الفردية و الجماعية المكرسة دستوريا.
2- قيود غير متعلقة بالحقوق والحريات( ): وردت كذلك نصوصا دستورية كثيرة تتعلق بمجالات عدة، و منها ما نص عليه نص المادة 02 من دستور 1996: "الإسلام دين الدولة" فلو صدر تشريع يجعل دين الدولة غير الإسلام أو جاء التشريع مخالفا للنصوص القطعية في الإسلام، عد ذلك التشريع باطلا لمخالفته للدستور، ونص المادة 14 منه: "المجلس المنتخب يراقب عمل السلطات العمومية" فلو جاء تشـريع يحصن السـلطات العمـومـية من رقابة المجلس المنتخب عد غير دستوري، ونص المادة 142: " ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية" فلو صدر تشـريعا يقيد السلطة القضائية في هذا المجال أو يحصن القرارات الإدارية أو نوعا منها من رقـابة القضاء، كـان باطلا لمخـالفته الدستور، فالتشريع الصادر عن البرلمان، لا يجوز أن يتعدى على هذه المبادئ أو القيود الموضوعية.
3-إلزامية تدخل البرلمان لتنظيم بعض الموضوعات: الأصل أن المشرع حر في اختيار الوقت الملائم للتدخل في تنظيم الموضوعات والمسائل التي ينبغي التدخل بشأنها، حتى و لو كانت هذه الموضوعات مما تدخل في النطاق المحتجز له، لأن احتجاز بعض الموضوعات للقانون لا يتطلب بالضرورة تدخل البرلمان لتنظيمها، غير أن ثمة موضوعات يظهر من النص الدستوري بشأنها أن المشرع ليس له حرية التدخل أو عدمه، وهي الموضوعات التي لم يتدخل الدستور لاحتجازها للبرلمان فقط، بل تطلب علاوة على ذلك أن يتدخل القانون لكفالـتها أو لضمانها، و مثال ذلك ما ورد بالمادة 23 من الدسـتور: "عدم تحيز الإدارة يضمنه القانون" فهذا النص يفرض على المشرع التدخل لضمان عدم تحيز الإدارة، و المادة 32: "الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطن مضمونة" و المادة 33: " الدفاع الفردي أو عن طريق الجمعية عن الحقـوق الأسـاسية للإنسـان و عـن الحريات الفردية و الجماعية مضمون" ففي هذه النصوص الدستورية و غيرها حرص الدستور على كفالة ما يشير إليه من ضمانات و أسس و قواعد تتصل بضمان هذا الحق أو تلك الحرية، و بالتالي يقع على السلطة التشريعية التزاما بالتدخل لكفالة تلك الحقوق أو الحريات.
II-التزام السلطة التشريعية بتحقيق المصلحة العامة: يجب على السلطة التشريعية أن تخضع لروح الدستور، وذلك بأن تظل أثناء ممارستها وظيفة التشريع متحسسة لتطلعات الأمة، ساعية لتحقيق المصلحة العامة بعيدا عن الأهواء السياسية، و الميولات الحزبية الضيقة، بمعنى أنه يجب على السلطة التشريعية أن تضع نصب عينيها ضرورة استخدام اختصاصاتها لتحقيق الأهداف المبتغاة من منحها إياها، فالسلطة التشريعية ليست مقيدة فحسب بالأساليب، و لكن أيضا عبد الرزاق السنهوري بالأهداف التي ترمي إليها، و هو ركن الغاية أو الهدف في العمل التشريعي حسب الأستاذ الذي كان وراء إنشاء نظرية :"الانحراف في استعمال السلطة التشريعية"( ) .و قد جاء في دستور 1996 عديد النصوص التي تفرض على السلطة التشريعية أن تعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة، و بالتالي استبعاد بعض العوامل الذاتية و الشخصية في التشريع، و منها نص المادة 08:" يختار الشعب لنفسه مؤسسات غايتها ما يأتي:
- المحافظة على الاستقلال الوطني و دعمه.
- المحافظة على الهوية، و الوحدة و الوطنية، و دعمهما.
- حماية الحريات الأساسية للمواطن، و الازدهار الاجتماعي و الثقافي للأمة.
- القضاء على استغلال الإنسان للإنسان.
- حماية الاقتصاد الوطني من أي شكل من أشكال التلاعب أو الاختلاس، أو الاستحواذ، أو المصادرة غير المشروعة" ونص المادة 100:" واجب البرلمان في إطار اختصاصاته الدستورية، أن يبقى وفيا لثقة الشعب و يظل يتحسس تطلعاته" وبالتالي فيجب أن يكون التشريع موافقا لروح المجتمع، و أن يسـعى لتحقيق المصـلحة العـامة، و إلا اعتبـر ذلك بحق مخالفـة التشريع للدستور، و انحرافا في استعمال السلطة التشريعية، فإذا قصد البرلمان من وراء التشريع الذي يضعه غير هذه الغايات، فإن ذلك يعد منه انحرافا في استعمال السلطة التشريعية، و يعتبر التشريع غير دستوري.
الفرع الثاني
خضوع السلطة التنفيذية للقـواعـد الدستورية
لقد تضمن الدستور قواعد خاصة بتنظيم السلطة التنفيذية، واختصاصاتها، التي من بينها، المساهمة في سن القواعد القانونية، سواء منها التشريعية أو اللائحية وذلك في نصوص مواده 70 إلى 97، وبالنظر للمرتبة التي سبق تقريرها للقواعد القانونية الصادرة عن السلطة التنفيذية، التي لا تصل إلى مرتبة القواعد الدستورية، في كل الأحوال عادية كانت أم استثنائية، فإن ذلك معناه هو خضوع السلطة التنفيذية وهي تضع القواعد التشريعية أواللائحية للدستور شكلا وموضوعا ( )، وهذا الخضوع يظهر في شكلين فقد يكون خضوعا مباشرا (أولا) أو غير مباشر(ثانيا).
أولا : خضوع السلطة التنفيذية غير المباشر للقواعد الدستورية :
إن السلطة التنفيذية عليها التزام التدخل لوضع القواعد اللائحية التنفيذية اللازمة لكفالة تنفيذ القوانين، وفي هذا الإطار لا يمكنها أن تتولى عملا تشريعيا، وإلا تكون قد تجاوزت الأحكام الدستورية، وترتيبا على ذلك، فإن خضوعها للدستور، يظهر من خلال خضوعها للتشريع الذي تقوم على تنفيذه، فلا تملك سوى وضع القواعد اللازمة لتنفيذه، وبالتالي لا تملك إضافه قواعد تشريعية ولا تعديل تلك المكلفة بتنفيذها، كما لا تملك الاعتراض على تنفيذها. وقد طبقت المحكمة العليا هذه القاعدة في قرارها المؤرخ في 09/10/2002 ( ) الذي جاء فيه : "حيث أن المادة 85 من المرسوم المتضمن إنشاء السجل العقاري يلزم المدعي بإشهار عريضة افتتاح الدعوى بالمحافظة العقارية و إلا كانت باطلة
حيث أن إجراء شهر العريضة االافتتاحية للدعوى قد استحدثه مرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 الذي يتعلق بتأسيس السجل العقاري ولم ينص عليه كل من قانون الإجراءات المدنية والقانون المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري.
وبذلك يكون المرسوم المنوه إليه قد استحدث شرطا جديدا لصحة العريضة الافتتاحية لم يرد لا في قانون الإجراءات المدنية ولا القانون المتضمن إعداد مسح الأراضي العام ومن ثمة يوجد التعارض بين القانون والمرسوم المشار إليه " وقد رتبت المحكمة العليا على هذه النتيجة أن واجب القضاء هو إعمال التشريع الأعلى وطرح التشريع الأدنى، وهو استنتاج سليم قانونا، ولكن كان يمكنها أيضا التعرض لطبيعة المرسوم التنفيذي الذي أضاف شرطا بما يعد تعديلا للقاعدة التشريعة التي جاء بقواعد تنظم كيفية تنفيذها، فتكون هذه الإضافة غير دستورية، وبالتالي يكون المرسوم التنفيذي باطلا بالنسبة لهذه المسألة، ويتعين استبعاده لا لتعارضه مع القانون فحسب، بل لتجاوزه الحدود الدستورية أيضا.
وخلاصة ذلك، أن السلطة التـنفيذية تخضع للدستور عن طريق خضوعها للتشريع الذي تقوم على تنفيذه، فتضع القواعد اللائحية اللازمة لتنفيذه دونما إضافة قواعد تشريعية ولا تعديل لتلك المكلفة بتنفيذها، ولا الاعتراض على تنفيذها، تحت طائلة مخالفة الدستور. وهو ما عبر عنه الأستاذ ( )((Albert socque : « le caractère subsidiaire de respect de la constitution par rapport ou respect de la loi »
وهو ما يطلق عليه فقـه القانـون العام : نظرية الحاجز التشريعيLa théorie de la loi écran ) التي بموجبها لا تخضع الهيئة التشريعية للدستور إلا عن طريق خضوعها للتشريع الذي تقوم على تنفيذه، وبالتالي يترتب على مخالفتها إياه عيب عدم المشروعة لا عيب عدم الدستورية .
ثانيا: خضوع السلطة التنفيذية المباشر للقواعد الدستورية :
يرى البعض أن خضوع السلطة التنفيذية للدستور يتم في الأصل بطريق غير مباشر كما سبق بيانه، غير أن هذا الرأي محل نظر، إذ قد يكون خضوع السلطة التنفيذية للدستور خضوعا مباشرا دون وساطة المشرع ، فتكون العلاقة بين القواعد اللائحية والقواعد الدستورية مباشرة، وذلك بالنسبة للوائح المستقلة، والتي تندرج فيها اللوائح التنظيمية،ولوائح الضبط ،ولوائح الضرورة التي تصدر متمتعة بقوة القانون، إضافة للأوامر التشريعية الصادرة عن رئيس الجمهورية، فكل تلك اللوائح والأوامر تجد أساسها مباشرة في نصوص الدستور، دونما حاجة إلى العبور عن طريق القانون، وترتيبا ذلك فإنها إذا خالفت الدستور صارت مشوبة بعيب عدم الدستورية لا عدم المشروعية، رغم كونها أعمالا إدارية بحسب المعيار العضوي، وهذا الحكم ينسحب أيضا على الحالة التي تكون فيها بعض النصوص الدستورية متضمنة أحكاما وقواعد تصلح للتنفيذ المباشر دونما حاجة لصدور قواعد تشريعية لكفالة تنفيذها، ومثالها النصوص الدستورية المتعلقة بحقوق وحريات الإنسان والمواطن، فهي تكفلها في مواجهة جميع الهيئات العامة في الدولة، وبالتالي تخاطب بوجه خاص السلطة التنفيذية، فتحرمها من حق اتخاذ الإجراءات الإدارية المحظورة وإلا خرجت عن الدستور، واتصف عملها بعدم الدستورية. ومثال ذلك نص المادة 44 من الدستور التي تمنح للمواطن الحق في ااختيار موطن إقامته والانتقال عبر التراب الوطني والدخول إلى التراب الوطني والخروج منه بحرية، فلو صدر قرار إداري يقضي بإبعاد مواطنين، فإنه يكون مخالفا لهذا النص الدستوري، ويكون مشوبا بعيب عدم الدستورية ( ).وبناء على ما سبق، فإن القواعد اللائحية التي تجئ مخالفة للدستور يلحقها عيبان:
-عيب عدم الدستورية: إذا كانت المخالفة مباشرة للقواعد الدستورية أو للمبادئ العامة للقانون ذات الطابع الدستوري .
-عيب عدم المشروعية: إذا كانت المخالفة غير مباشرة.
وثمة رأي في الفقه يرى أن العيب كل الأحوال هو عيب عدم المشروعية لكونه يتضمنن عيب عدم الدستورية.
الفرع الثالث
خضوع السلطة القضائية للقواعد الدستورية
تأسيسا على مبدأ تدرج القواعد القانونية، تلتزم كل سلطة عامة تنشئ أو تنفذ أو تطبق القواعد القانونية باحترام نتائج هذا المبدأ، ومن بينها تقرير سمو القواعد الدستورية، وفي ذلك احترام لمبدأ الشرعية، الذي يشكل أساس القضاء، فيقع على كافة جهات القضاء- سواء منها المنتمية لسلك القضاء العادي أم الإداري- عبء تطبيق القواعد القانونية، وعلى رأسها القواعد الدستورية على ما يعرض عليها من منازعات .
وعـلى ذلك فالسلطة القضـائية مخاطبة بالخضوع للقواعد الدستورية( )، والنزول عند مقتضياتها، بل وتطبيقها مباشرة دون وساطة القواعد التشريعية متى كانت تقبل ذلك، غير أن هذا الرأي غير مستساغ من البعض، فالقاضي لا يخضع إلا للقواعد التشريعية بالنسبة إليهم، وهو ما يفرض مناقشة هذه المسألة لبيان مدى التزام القاضي بالخضوع للقواعد الدستورية مباشرة (أولا) ثم تحديد مظاهر هذا الخضوع (ثانيا).


أولا : التزام القاضي بالخضوع للقواعد الدستورية :
يرى فريق من الفقه أن القاضي لا يخاطب سوى بالخضوع للقواعد التشريعية، وبالتالي فلا يتصور مخاطبته مباشرة بالقواعد الدستورية، إذ جاء في نص المادة 138من الدستور أن: "السلطة القضائية مستقلة وتمارس في إطار القانون " و نص المادة 147 منه: "لا يخضع القاضي إلا للقانون "
ويضيف أصحاب هذا الرأي اعتبارا آخر لإلزام القاضي بالخضوع للقواعد التشريعية وحدها، فلا يكون له أن يطبق القواعد الدستورية للفصل في النزاعات، ولا للأفراد الاستناد مباشرة إلى تلك القواعد لتأسيس طلباتهم أو دفوعهم، وهذا الاعتبار هو مبدأ فصل السلطات، الذي يقصر عمل القضاء على تطبيق القواعد القانونية الصادرة عن السلطـة التـشريعية وحدها، بل هناك من ذهب إلى ما هو أكثر غلوا، حيث لا يعتبر الدستور قانونا لانعدام الجزاء على مخالفة قواعده، باعتباره ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين، فلا يمكن أن يلزم الحاكم لعدم صدوره من سلطة أعلى منه، وبالتالي فالتشريع الصادر عن البرلمان هو وحده القانون.
ولكن هذا الرأي محل نظر، إذ أن مخاطبة القاضي بتطبيق القانون ينصرف إلى القانون بالمفهوم العام بما فيه الدستور، بل هو القانون الأساسي في الدولة، وهو فوق الجميع، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات، حسب ما ورد بديباجة دستور1996، وتنص المادة 60 منه على أنه: "يجب على كل شخص أن يحترم الدستور وقوانين الجمهورية " ونص المادة 140 منه: "أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة " وتنص المادة 80 من القانون الأساسي للقضاء: "يجب على القاضي أن يصدر أحكامه طبقا لمبادئ الشرعية والمساواة .." ويلتزم القاضي بموجب يمينه التي يؤديها قبل توليه وظائفه بأن يحكم وفقا لمبادئ الشرعية والمساواة، ولا شك أن الشرعية ينصرف معناها إلى كل القواعد القانونية مهما كان مصدرها ، بما فيها القواعد الدستورية .
ثم إن تطبيق القاضي للقواعد الدستورية، ونزوله عند مقتضياتها، هو مقتضى وظيفة القاضي باعتباره حاميا للشرعية، وضامنا للحقوق والحريات المكفولة دستوريا، فلا يعد ذلك متعارضا مع مبدأ فصل السلطات، طالما لم يتدخل بنفسه لسن القواعد القانونية أو تعديلها أو تعطيل تنفيذها أو إلغائها، بل كل ما في الأمر أنه قام بتطبيق قاعدة قانونية تم وضعها من طرف السلطة التأسيسية، إذ مقتضى وظيفته ذلك، وأما ما ذهب إليه البعض من كون قواعد الدستور تعتبر مجرد توجيهات لا إلزامية لها، لانعدام الجزاء على مخالفتها، وبالتالي لا تكون قواعد قانونية، فهذا الرأي لا معنى له، لكون القواعد الدستورية تمتاز بكامل سمات القواعد القانونية( )، ويترتب على مخالفتها جزاء وهو عدم دستورية القانون المخالف لتلك القواعد الدستورية، ويوقعها سواء المجلس الدستوري أو القضاء باستبعاده القانون غير الدستوري والامتناع عن تطبيقه للفصل في النزاع، ومعنى ذلك أن القواعد الدستورية هي قواعد قانونية ملزمة للقضاء، بحيث يترتب على مخالفتها بطلان الحكم الصادر عنه، ويمنح للجهات القضائية العليا سلطة نقضه وإبطاله.
ثانيا: مظاهر خضوع القاضي للقواعد الدستورية :
مما سبق ذكره، فإن القاضي يجب عليه الالتزام بالقواعد الدستورية (I) والامتناع عن تطبيق أي قانون مخالف لها (II)
I-التزام القاضي بالخضوع للقواعد الدستورية: لقد تناول الدستور تنظيم السلطة القضائية في الفصل الثالث من الباب الثاني في المواد : 138 إلى 158، والتي تؤسس السلطة القضائية وتضع لها الحدود التي لا يجوز لها مجاوزتها، ويضاف إلى ذلك مواد أخرى متفرقة في الدستور تتعلق بتنظيم العمل القضائي، وتفرض على القضاء مبادئ وأحكاما لا يجوز تجاوزها، مثله مثل كل السلطات العامة في الدولة، وخصوصا المواد المتعلقة بحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، والتي تمثل مبادئ دستورية عليا لا يجوز المساس بها، وعلى ذلك يفرض مبدأ سمو الدستور أن تكون أعمال القضاء ضمن الحدود الدستورية فتخضع للدستور شكلا (1) موضوعا (2)
1-الخضوع الشكلي للقواعد الدستورية: لقد حدد الدستور اختصاص السلطة القضائية، كما نص على إجراءات واجبة الاحترام، وتتمثل فيما يلي:
أ-احترام قواعد الاختصاص: يتوجب على القضاء التقيد بمجال الاختصاص المحدد دستوريا، وإلا عد عمله تدخلا في عمل باقي السلطات، كما لا يجوز له تفويض اختصاصه هذا، ولكن من الواجب التساؤل عن وظيفة القضاء التي يتحدد بها مجال اختصاصه؟
تنص المادة 139 من الدستور: "تحمي السلطة القضائية المجتمع والحريات وتضمن للجميع ولكل واحد المحافظة على حقوقهم الأساسية" وتنص المادة 143 : "ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية " والمادة 146 : "يختص القضاة بإصدار الأحكام" وهذه النصوص الدستورية تلقي بظلالها على تحـديد الـوظيفة القضائية باعتبارها إحدى وظـائف الـدولة الثلاث: التشريع والتنفيذ و القضاء، فما هو دور القضاء؟
يتجه الرأي الغالب في الفقه أن الهدف من القضاء ودوره هو تطبيق القانون، وهو مقتضى طبيعي لفكرة فصل السلطات، فالسلطة التشريعية تضع القانون، والسلطة التنفيذية تنفذه بما يحقق المصلحة العامة، والسلطة القضائية تطبقه فيما يعرض لها من منازعات، فمهمة القضاء هي إعادة الاستقرار إلى النظام القانوني، وذك بإيقاع الجزاء المقرر فيه للنشاط القانوني لأطراف نزاع معين عندما يحدث اعتداء على حق من الحقـوق، أو عندما يحدث شـك في سلامة سير القـانون لاختلاف في تفسيره أو لاختلاف في تقدير حقوق الأطراف المتنازعة، ففي هذه الأحوال يتولى القضاء رد العلاقات بين الأطراف المتنازعة إلى أوضاعها التي تتفق مع أحكام القانون، وتأمر بما هو مقرر لها من جزاءات موضوعية أو إجرائية أو زجرية .
وعلى ذلك فالقضاء كمرفق عام يكتسي صبغة متميزة، لكونه يسهر على حماية النظام القانوني والحقوق و الحريات الدستورية، من خلال كفالة تطبيق القانون أثناء الفصل في المنازعات، فالمهمة الأساسية للقضاء هي إحقاق حكـم القانون، وذلك بالفصل في جميع المنازعات بين الأفراد في ما بينهم أو بينهم وبين الدولة، ولا يملك القضاء للقيام بتلك المهمة سوى وسيلة إصدار الأحكام، فالقضاء يتحدد اختصاصه في إصدار الأحكام في المنازعات المختلفة بما يحمي الشرعية والمساواة ويضمن الحقوق والحريات، وعلى ذلك فيندرج ضمن اختصاصات السلطة القضائية مراقبة تصرف الأفراد والسلطات العامة، وإلزامها بالخضوع لحكم القانون وذلك بمناسبة النزعات المعروضة عليها، ولذلك تنص المادة 143 من الدستور على أن القضاء يختص في النظر في شرعية قرارات السلطات الإدارية، وهو ما يثير التساؤل عما إذا كان لا يمكن إدماج الرقابة الدستورية في اختصاص السلطة القضائية، وهو ما نراه في الفصل الثاني .
ب- احترام الشكل والإجراءات الدستورية: ثمة قواعد إجرائية تم رفعها إلى مرتبة المبادئ الدستورية بالنص عليها في الدستور، ومنها المادة 141 من الدستور التي تفرض أن يصدر القضاء أحكامه باسم الشعب، والمادة 144 التي تفرض تعليل الأحكام القضائية وينطق بها في جلسة علانية، والمادة 151 التي تكرس الحق في الدفاع وتجعله مضمونا في القضايا الجزائية، والمادة 152 التي تجعل المحكمة العليا ومجلس الدولة هيئتين مقومتين لأعمال المجالس القضائية والمحاكم أو الجهات القضائية الإدارية حسب الحالة، ومعنى ذلك أن الإحكام الصادرة عن القضاء تخضع للرقابة على مدى مطابقتها للقانون من طرف المحكمة العليا ومجلس الدولة، إضافة إلى كون القضاء الجزائري يقوم على ازدواجية القضاء فهناك القضاء الإداري والقضاء العادي، فهذه القواعد الإجرائية وغيرها ملزمة للقضاء بموجب النصوص الدستورية التي كرستها ولو لم توجد نصوصا تشريعية تنص عليها .
2- الخضوع الموضوعي للقواعد الدستورية ( ): لقد تضمن الدستور قواعد يتوجب على القضاء الخضوع لها، وتتعلق:
أ- بالهدف أو الغاية التي يقصدها القضاء من وراء أحكامه، والمتمثلة حسب الدستور في حماية المجتمع والحريات وضمان المحافظة على الحقوق الأساسية الفردية والجماعية (المادة 139) ، وهو ما يفرض حماية المتقاضي من أي تعسف أو أي انحراف يصدر من القاضي (المادة 150) كما يقتضي استقلالية السلطة القضائية (المادة 138) وحماية القاضي من كل أشكال الضغوط والتدخلات والمناورات التي قد تضر بأداء مهمته أو تمس نزاهة حكمه (المادة 148) .
ب- بالقيود التي يتوجب على القضاء التقيد بها وهو يؤدي وظيفته، وهي قيود فرضها الدستور لضمان الحقوق والحريات التي لا يجوز الاعتداء عليها لا من القضاء ولا من غيره، ومنها نص المادة 36: "لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي" و نص المادة 38: "لا يجوز حجز أي مطبوع أو تسجيل أو أية وسيلة أخرى من وسائل التبليغ والإعلان إلا بمقتضى أمر قضائي" ونص المادة 40: "تضمن الدولة عدم انتهاك حرمة المسكن فلا تفتيش إلا بمقتضى القانون وفي إطار احترامه ولا تفتيش إلا بأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة " ونص المادة 45: "كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون" ونص المادة 46: "لا إدانة إلا بمقتـضى قانـون صـادر قبل ارتكاب الفعل المجرم " ونص المادة 48: "يخضع التوقيف للنظر في مجال التحريات الجزائية للرقابة القضائية ولا يمكن أن يتجاوز مدة ثمان وأربعين ساعة. يملك الشخص الذي يوقف للنظر حق الاتصال فورا بأسرته ولا يمكن تمديد مدة التوقيف للنظر إلا استثناءا ووفقا للشروط المحددة بالقانون " ونص المادة 60 : "لا يعذر بجهل القانون" فالقضاء يجب عليه النزول عند مقتضى هذه النصوص الدستورية وغيرها طالما قررت قواعد تخاطب القضاء مباشرة أو تمنح حقوقا محددة للأفراد، فتطبق دونما حاجة لنص تشريعي يقررها.
II- امتناع القاضي عن تطبيق القواعد التشريعية المخالفة للدستور: إن الملفت للنظر هو خلو الدستور من الإشارة إلى أية رقابة قضائية على دستورية القوانين، خصوصا وأن القاضي هو المطبق والمفسر للقانون، فإذا تقدم أحد الأطراف في المنازعة المعروضة على القضاء بدفع متعلق بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه على قضيته، ففي هذه الحالة تتخذ الرقابة على دستورية القوانين شكل دفع، وهو ما يضع القاضي أمام مسألة أولية يجب الفصل فيها قبل الفصل في موضوع النزاع مالم يوجد نص يقضي بغير ذلك، وإن عدم الرد على هذا الدفع يجعل القاضي منكرا للعدالة، فرقابة القاضي لدستورية القوانين هنا إنما هي إعمالا لحق الدفاع المكرس دستوريا، كما أن القضاء يختص بحماية المجتمع والحريات والحقوق الفردية والجماعية من أي اعتداء عليها، ولو وقع الاعتداء من طرف السلطة التشريعية ذاتها، ويضاف إلى ذلك أن القضاء أساسه الشرعية والتي تتضمن من بين عناصرها القواعد الدستورية، وطالما لم يوجد نص يمنع القاضي من رقابة دستورية القوانين عن طريق الدفع الفرعي، فمعنى كل ذلك أن القاضي مختص بالبت في هذا الدفع، أي أنه ينزل عند مقتضى مبدأ تدرج القواعد القانونية، الذي يفرض عليه الامتناع عن تطبيق النص التشريعي المخالف للدستور باعتبار سموه على كل القواعد القانونية في الدولة، فهو يغلب القانون الأعلى ويهمل القانون الأدنى طبقا لمبدأ التدرج( ) .وسوف يتم تفصيل هذه المسالة في الفصل الثاني .
المطلب الثاني
نتـائـج تـدرج القـواعـد القانـونيـة الأخـرى
توصلنا في المبحث الأول إلى أن القواعد القانونية ما عدا القواعد الدستورية تتدرج وفق للشكل التالي: اتفاقيات دولية، قوانين عضوية، قوانين عادية، وبعدها اللوائح، وهو الترتيب الذي ينجم عنه نتيجة أساسية مفادها خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى، أي خضوع كل القواعد التشريـعـيــة
-العضوية والعادية- واللوائح للاتفاقيات الدولية، وخضوع القوانين العادية للقوانين العضوية، وخضوع اللوائح للقوانين بنوعيها العادية والعضوية، ولذلك يتوجب تحديد نتائج سمو القواعد الاتفاقية الدولية على القواعد القانونية الأخرى( الفرع الأول) ثم نتائج المرتبة الإلزامية للقواعد التشريعية واللائحية (الفرع الثاني) .
الفرع الأول
نتائـج سمـو القواعـد الاتفاقيـة الدوليـة
بعد أن تبين لنا من خلال إعمال نص المادة 132 من الدستور، والموقف القضائي و الفقهي الثابت حول مكانة القواعد الاتفاقية الدولية طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية، والتي تأتي مباشرة بعد القواعد الدستورية، فإنه ينتج عن تلك المرتبة خضوع السلطة التشريعية (أولا) والتنفيذية (ثانيا) والقضائية (ثالثا) لتلك القواعد الدولية .
أولا: خضوع السلطة التشريعية للقواعد الاتفاقية الدولية :
إن سمـو المعـاهدات يقـود إلى جملة من النتائج يجب على السلطة التشريعية النزول عند مقتضياتها، سواء أثناء سنها التشريعات (I) أو بالنسبة للتشريعات السارية والتي صارت باطلة لمخالفتها معاهدة صادقت عليها الجزائر لاحقا (II) .
I- التقيد بالقواعد الاتفاقية الدولية أثناء سن التشريعات: يجب على السلطة التشريعية احترام مضمون المعاهدات التي صادقت عليها الجزائر، وذلك أثناء سن التشريعات فهاته الأخيرة يجب أن لا تتعارض مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها نصا وروحا، وأن هذا التعارض يعتبر خرقا لمبدأ سمو المعاهدات، وخروجا عن مبدأ تدرج القوانين، وقد يرتب المسؤولية الدولية للجزائر. وقد كرس المجلس الدستوري الجزائري( ) هذا الالتزام بمناسبة إخطاره من قبل رئيس الجمهورية للنطق بدستورية بعض أحكام قانون الانتخابات لسنة 1989 وقد ابتدع المجلس الدستوري قواعد غير مسبوقة، ومنها انه قرر اختصاصه برقابة مطابقة القانون للمعاهدات، باعتبارها تندرج ضمن الكتلة الدستورية فيصير القانون المخالف لهـا غيـر دستوري، اعتمادا على كون مبدأ سمو المعاهدة على القـانون يمثل مبدأ دستوريا، وبفعله هذا يكون المجلس الدستوري كرس مبدأ عدم جواز مخالفة القانون الجديد لمعاهدة مصادق عليها قبل سنه، إضافة لمبدأ أن المخالفة تمثل عيب عدم الدستورية .
II- تعديل القوانين المخالفة للمعاهدات اللاحقة: بالنسبة للقوانين السابقة على نفاذ المعاهدة والتي أصبح مضمونها يتنافى معها، فإن مبدأ التدرج وسمو المعاهدة، يفرض على السلطة التشريعية أن تحين هذه القوانين، بأن تدخل عليها التعديلات اللازمة التي تكفل تماشيها مع القواعد الاتفاقية الدولية، وإلا شابها ما يطلق عليه في فقه القانون العام بعيب عدم الاتفاقية أو عيب عدم المطابقة (le vice d’inconditionnalité des lois).
وقد كرس القضاء الجزائري هذه النتيجة في الملف رقم 654633( ) قرار بتاريخ 5/09/2001 بخصوص الإكراه البدني في الإلتزمات التعاقدية استنادا للمادة 407 من قانون الإجراءات المدنية التي شرعت بتاريخ 08/06/1966 والتي لم تحين بعد المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقد جاء في الحيثيات: "وبعد الإطلاع على أحكام المادة 11 من الاتفاقية المذكورة والمنشورة بالجريدة الرسمية عدد 11 المؤرخ في 26/02/1997 والتي جاء فيها (لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي ) وتبعا لذلك أصبح من غير الجائز توقيع الإكراه البدني لعدم تنفيذ التزام تعاقدي" بل ذهبت المحكمة العليا لما هو أكثر جرأة وخطورة حيث قررت تطبيق نص في معاهدة دولية يتعلق بالعقاب على جريمة المخدرات بعقوبة تكميلية، لما لم يتدخل المشرع الجزائري لإدراجها في قانون العقوبات بعد المصادقة على المعاهدة، إذ جاء في القرار المؤرخ في 22/02/2000( ) تحت رقم 167921 : " فإن مصادرة المبالغ المالية التي تحصل عليها من المتاجرة غير المشروعة في المخدرات ...تعد إجراء قانوني في حد ذاته .... " وهذا اعتمادا على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، والتي صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي 95/41 المؤرخ في 28/01/1995 .
ثانيا: خضوع السلطة التنفيذية للقواعد الاتفاقية الدولية:
إن مبدأ سمو المعاهدات يفرض على السلطة التنفيذية أن تخضع لأحكامها طالما صارت نافذة بالمصادقة عليها ونشرها، وهذا الخضوع يمثل التزاما على السلطة التنفيذية ولو خالفت القانون، وذلك لكون مبدأ تدرج القواعد القانونية يجعل القانون المخالف لها باطلا ولا إلزامية له، وبالتالي يتعين على السلطة التنفيذية أن تكون أعمالها مطابقة لأحكام المعاهدة وإلا جاءت غير مشروعة، وجاز للأفراد الطعن فيها أمام القضاء وطلب إلغائها، وهذا الخضوع لا يجد أساسه فحسب في مبدأ سمو المعاهدات بل واحتراما لالتزامات الجزائر الدولية التي إن أخلت بها ترتب على ذلك مسؤوليتها الدولية، وعلى ذلك فيجب على السلطة التنفيذية أن تخضع للمعاهدات النافذة سواء أثناء مشاركتها في العمل التشريعي (I) أو أثناء سنها القواعد اللائحية (II)
I-الخضوع للقواعد الاتفاقية الدولية أثناء المشاركة في سن التشريع: لقد اعترف الدستور للسلطة التنفيذية بدور كبير في سن القواعد التشريعية، إذا تتدخل في إعداد القوانين والتصويت عليها وفي إصدارها ونشرها في ما بعد، وفي هذه التدخلات يتوجب على السلطة التنفيذية أن تحرص على احترام أحكام المعاهدات النافذة في الجزائر، وذلك أثناء إعداد مشاريع القوانين التي تحرص السلطة التنفيذية على أن تتماشى هذه المشاريع نصا وروحا مع المعاهدات، كما يتوجب عليها أن تبادر بإعداد مشاريع القوانين الكفيلة بتعديل التشريعات السابقة على ضوء أحكام المعاهدات التي صادقت أو قد تصادق عليها الجزائر، وتسارع بعرضها على البرلمان للمصادقة عليها، وبالنسبة لرئيس الجمهورية فإن سمو المعاهدات يفرض عليه التدخل وفقا للسلطات المخولة له دستوريا بمنع صدور القوانين التي تتعارض مع التزامات الجزائر الدولية المؤطرة بمعاهدات، إذ يمكنه في هذا الإطار اللجوء إلى آلية طلب إجراء مداولة ثانية على القانون المصوت عليه طبقا للمادة 127/07 من الدستور، كما يمكنه اللجوء إلى إخطار المجلس الدستوري الذي أعلن اختصاصه برقابة مطابقة القوانين للمعاهدات الدولية باعتبارها جزء من الكتلة الدستورية حسب قراره رقم 01/89 سالف الذكر. وغني عن الذكر أن رئيس الجمهورية وهو يصدر أوامره التشريعية يجب عليه التقيد بالمعاهدات التي صادقت عليها الجزائر .
-II الخضوع للقواعد الاتفاقية الدولية أثناء سن القواعد اللائحية: يجب أن تكون كل اللوائح الصادرة عن السلطة التنفيذية- سواء في الظروف العادية أو غير العادية- متفقة مع المعاهدات الدولية، وإلا كانت غير مشروعة ويحكم القضاء الإداري بإلغائها وحتى ترتيب المسؤولية الإدارية عن الأضرار التي تسببها، وقد توصل القضاء الفرنسي إلى وجوب امتناع الإدارة عن إصدار اللوائح التنفيذية لقوانين متعارضة مع المعاهدة، وهو ما جاء ذلك في قرار مجلس الدولة الفرنسي في 24/02/1999 في قضية :
« association de patients de la médecin d’orientation authnoposophique et autre »
حيث ذهب المجلس إلى إن السلطة التنظيمية يقع على عاتقها الالتزام بان تترك الأحكام التشريعية المتعارضة مع اتفاقية تأسيس الإتحاد الأوربي:
« le pouvoir réglementaire avait l’obligation de laisser de coté les dispositions législatives incompatibles avec le droit communautaire »
وقد برر مفوض الحكومة امتناع هذه الأخيرة عن إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بتنفيذ المادة 601/4 من قانون الصحة بأنها قد التزمت بالقيد المفروض عليها في المادة 55 من الدستور:
« Le gouvernement s’est conformé aussi qu’ il y était tenu a la hiérarchie des normes dans l’ordre juridique interne telles découlent de l’article 55 de la constitution »
ثالثا: خضوع السلطة القضائية للقواعد الاتفاقية الدولية:
إن الاعتراف الدستوري للمعاهدات بمكانة أسمى من القانون، يستتبع صيرورتها جزء من النظام القانوني الداخلي، فتكون واجبة النشر للنفاذ في مواجهة المخاطبين بأحكامها، وواجبة التطبيق بذاتها متى استوفت الإجراءات المقررة، فيلتزم القاضي بتطبيقها من تلقاء نفسه دون انتظار طلب الخصوم لذلك، ويخضع في هذا الشأن لرقابة المحكمة العليا كحاله في سائر مسائل القانون، لكون المعاهدة تعتبر مصدرا للمشروعية والحقوق، وبالإمكان رفع دعوى إلغاء استنادا إليها، ومعنى ذلك أن المعاهدات تكون واجبة التطبيق أمام القضاء، ويمكن للخصوم الاستناد إليها لتأسيس دعواهم، وهذا ما أكده المجلس الدستوري الجزائري في قراره الأول لسنة 1989( ) الذي جاء فيه: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني، وتكتسب بمقتضى المادة 123من الدستور –لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996- سلطة السمو على القوانين وتخول كل مواطن أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية .." وعلى ذلك يتوجب على القضاء الخضوع لأحكام المعاهدات وتطبيقها للفصل في النزاعات طالما كانت قابلة للتطبيق المباشر دونما حاجة إلى قوانين أو تنظيمات داخلية تكفل لها ذلك.
ومن زاوية أخرى، فإن القضاء يجب عليه الاضطلاع بصلاحية إعمال مبدأ أولوية تطبيق المعاهدات على القوانين في حالة التعارض، حيث يقوم القاضي بترجيح المعاهدات الدولية على كل القوانين واللوائح في حالة التعارض كنتيجة يفرضها عليه مبدأ التدرج( )، بل ويمكن للقضاء الإداري إلغاء اللوائح المتعارضة مع المعاهدات النافذة في الجزائر، باعتبارها تكون غير مشروعة لمخالفتها المعاهدات التي صارت بالمصادقة عليها عنصرا من عناصر المشروعية ومصدرا من مصادر القواعد القانونية( ).
الفرع الثاني
نتائـج مرتبـة القواعـد التشريعيـة واللائحيـة
سبق وأن أوضحنا انه بعد القواعد الدستورية وما يلحق بها من مبادئ قانونية عامة، وبعد القواعد الاتفاقية الدولية تأتي القواعد التشريعية بنوعيها العضوية والعادية، وبعدها تأتي القواعد اللائحية بنوعيها أيضا الصادرة في الظروف الاستثنائية أو في الظروف العادية، وعلى ذلك فالقواعد التشريعية أسمى من القواعد اللائحية من جهة كما تسمو القوانين العضوية على القوانين العادية، وتترتب نتائج قانونية عدة على المرتبة الإلزامية للقوانين العضوية (أولا) ونتائج على سمو القواعد التشريعية على القواعد اللائحية (ثانيا)
أولا : نتائج المرتبة الإلزامية للقوانين العضوية:
إذا كانت القواعد التشريعية تنقسم في ظل دستور 1996 إلى مجموعتين متباينتين من حيث المرتبة الإلزامية، إذ تسمو القواعد التشريعية العضوية على القواعد التشريعية العادية، وذلك إعمالا للمعيار الشكلي، وهو ما يؤدي بنا على ضوء مبدأ تدرج القواعد القانونية إلى خضوع القانون العادي للقانون العضوي نصا وروحا، شكلا ومضمونا ( )، لكن طالما كان لكل من القانون والقانون العادي مجالا محجوزا دستوريا فكيف يتصور مخالفة القانون العادي للقانون العضوي ؟
تتخذ هذه المخالفة شكلين فقد تكون مخالفة شكلية (I) وقد تكون موضوعية (II) .
I- المخـالفة الشكـلية: وذلك حيـنما يتم التـشريع بقـانون عادي في مجال القـانون العضـوي أو العكس، إذ يشكـل ذلك مخالفة صريحة للدستور من حيث الإجراءات ويكون التشريع غير دستوري، ومثاله ما جرى بالنسبة للقانون الأساسي للقضاء باعتباره قانون عضوي إذ ضمن فيه البرلمان أحكاما تنشئ فروعا قضائية جديدة تسمى الأقطاب المتخصصة وبعد إخطار المجلس الدستوري قرر عدم مطابقة تلك المواد للدستور لكونها تندرج ضمن مجال القانون العادي وليس القانون العضوي( ) .
II- المخالفة الموضوعية: وتتجسد هذه الصورة من خلال صدور قوانين عادية تتعارض في نصها أو فحواها مع القوانين العضوية، فالقانون العادي لا يمكنه أن يلغي أو يعدل أحكام متضمنة في قانون عضوي، وإلا كان غير دستوري، فإذا كان الدستور مثلا قد خول التشريع بقانون عضوي في مجال القانون الإطار المتعلق بقوانين المالية طبقا لنص المادة 123 من الدستور فإنه قد نص على اختصاص البرلمان في التصويت على الميزانية وإحداث الضرائب والجبايات والرسوم والحقوق المختلفة وتحديد أساسها ونسبها وذلك بموجب قوانين عادية طبقا لنص المادة 122 من الدستور، فإذا تضمنت قوانين المالية مخالفة للقانون الإطار فحين ذاك تكون تلك القوانين مخالفة لمبدأ المشروعية لمخالفتها قواعد قانونية أسمى منها، والمفروض أن قوانين المالية تمتاز بخصوصية أن قواعدها تتعلق فقط بالجانب المالي، لكن الحكومات صارت تغتنم قصر مدة مناقشتها لتضمنها قواعد تشريعية عادية يصعب تمريرها في شكل قوانين منفصلة عن قوانين المالية وهو ما يشكل خرقا بينا لإرادة المؤسس الدستوري خصوصا وأنها قد تضمنها مخالفات صريحة للقانون الإطار للقوانين المالية.
ولا شك أن إيجاب خضوع القانون العادي للقانون العضوي سيقود إلى نتيجة أخرى وهي ضرورة فرض آليات رقابية لكفالة هذا الخضوع، وتختلف هذه الآليات حسب وجه التعارض بين القانونين، فإذا كان التعارض يتعلق بمجال الاختصاص فإن ذلك يشكل مخالفة مباشرة لنص الدستور مما يجعل القانون المتجاوز مشوبا بعيب عدم الدستورية، وهو الوجه الذي يختص برقابته المجلس الدستوري في إطار الرقابة على دستورية القوانين، وإذا كان التعارض موضوعيا من القاعدة التشريعية العادية للقانون العضوي فإن المجلس الدستوري لم يعلن صراحة أن القوانين العضوية تنتمي إلى الكتلة الدستورية وهو ما يقودنا إلى نتيجة غاية في الأهمية هي انه لا يمكن اعتماد القوانين العضوية كقواعد مرجعية للرقابة على دستورية القوانين، وبالتالي يتوجب التساؤل عن طبيعة العيب الذي يلحق القاعدة القانونية العادية المخالفة لقانون عضوي؟
نظرا لعدم تصريح المجلس الدستوري بموقفه من هذه المسألة في أرائه وقراراته منذ 1996، خلافا للمجلس الدستوري الفرنسي الذي اعتمد القوانين العضوية كمرجع للرقابة على الدستورية، وذلك في قراره رقم 60/08 الصادر بتاريخ 11/08/1960، وهو الموقف الذي سايره فيه بعض الفقه، ويترتب على ذلك أن التـشريع العادي الذي يخالف أو يتجاهل أحكاما منصوصا عـليها في قـوانين عضوية أو يتجاوز حدود الاختصاص، يجب أن يصرح بكونه قانونا غير دستوري، وهو الاختصاص الذي يحتكره المجلس الدستوري، ولكن مع ذلك فإن هذه النتائج لم ترق مرتبة القوانين العضوية لتعادل مرتبة الدستور وقد عبر عن ذلك الأستاذ : Hubert Aruiel :
«la référence aux lois organiques considérés comme les égales de la constitution ne peut être retenue , sans doute le conseil constitutionnel les vise il l’ors qu’il contrôle la conformité d’une loi a la constitution sons doute les lois organique doivent elles être d’une plus grand respect que lois ordinaires , Mais cela ne suffit pas a les éleres au range constitutionnel à les intégrés a la constitution »
وقد عرضت هذه المسالة على مجلس الدولة الفرنسي أثناء تحضير مشروع دستور 1958، وتوصل إلى أن مخالفة مشروع قانون عادي للقانون العضوي لا تعتبر مخالفة للدستور، لكنها قد ترتب أثارا سيئة على سير المؤسسات في الدولة .
ثانيا: نتائج سمو القواعد التشريعية على القواعد اللائحية :
يجب على السلطة التنفيذية أن تخضع أثناء سن اللوائح للقواعد ذات القيمة التشريعية، سواء صدرت تلك اللوائح في الظروف العادية (I) أو غير العادية (II).
I- خضوع اللوائح للقواعد التشريعية في الحالة العادية: ويتخذ هذا الخضوع مظهرين أساسيين:
1- ضرورة إصدار اللوائح التنفيذية: توصلنا فيما سبق إلى أن السلطة التنفيذية تستمد صلاحية إصدار اللوائح من الدستور، وان أثر الدعوة التشريعية لإصدارها إنما يقتصر على جعل سلطة الحكومة مقيدة فيجب عليها أن تتدخل لإصدار هذه اللوائح في آجال معقولة، ولا شك إن مخالفة الحكومة لهذا الالتزام يشكل مخالفة لمبدأ المشروعية عموما، وخرقا خطيرا لمبدأ تدرج القواعد القانونية على وجه الخصوص، كونه يجعل من القواعد التشريعية مجرد حبر على ورق، ولا شك أن الواقع الجزائري شهد وجود مئات النصوص التشريعية ضلت معطلة النفاذ نتيجة عدم صدور النصوص التنفيذية، ومما يزيد الوضع سواء انه لا يوجد أي نص قانوني يحدد للحكومة أجلا تلتزم فيه بإصدار هذه المراسيم، ولذلك يقترح الفقه على المؤسس الدستوري التدخل للنص على أجل محدد يلي صدور القانون تلتزم الحكومة خلاله بإصدار المراسيم التنفيذية، وبدون ذلك فإن صدور القانون لن يترتب عليه سوى إثخان كتلة المشروعية، وينقلنا ذلك من إطار دولة القانون إلى ما يسمى بدولة القوانين .
2-احترام اللوائح التنفيذية لمضمون القواعد التشريعية: وهنا يطرح السؤال: متى ينتهي مجال القانون ويبدأ مجال اللائحة طبقا لمبدأ فصل السلطات ؟
لقد استقر الفقه والقضاء المقارن على أن مجال اللوائح التنفيذية يشمل كل ما هو لازم لتنفيذ القانون دون الخروج عنه أو تعديله أو إلغائه، وهذا يعد من مقتضيات مبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية، فتكون سلطة رئيس الحكومة في إصدار المراسيم التنفيذية سلطة مقيدة، لكن الحدود بين اللوائح التنفيذية والقوانين ليست دوما بهذا الوضوح، وهو ما أدى إلى ظهور عدة أفكار وتطبيقات قضائية أهمها :
أ- فكرة التمييز بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية: وقد جاء بها الفقيهان (دوجي) و (بونار) ومفادها أن حدود ومجال اللوائح يقتصر على القواعد والأحكام الإجرائية فقط .
ب- فكرة الطبيعة الإدارية والتنفيذية: وجاء بها الفقيهان (فيدل) و (إيزنمان) وتقوم على أن قيمة وجوهر اللوائح التنفيذية هي التي يعول عليها في تحديد مجال وحدود هذه القرارات وطبيعة علاقتها بالقانون الذي تنفذه في الواقع العملي، و بذلك فإن تطبيق نظام تدرج القواعد القانونية يفرض تبيان الشروط و الأساليب الإدارية اللازمة لتطبيق القانون بصورة فعالة و مشروعة.
ج- فكرة القضاء الإداري الفرنسي: و الذي ميز بين حالتين:
-حالة صدور اللوائح بعد دعوة تشريعية: و فيها أجاز القضاء لهذه القرارات أن تخلق قواعد موضوعية عامة مكملة للقانون و مساعدة على تنفيذه بصورة كاملة سليمة.
-حالة صدور اللوائح دون دعوة تشريعية: هنا ضيق القضاء الإداري الفرنسي من مجالها، وقصره على الأحكام والإجراءات التطبيقية للقانون.
ونخلص من عرض هذه الاتجاهات، إلى أن دور المـراسيم التنفيذية يجب أن ينحصر في وضع الأحكام التفصيلية التي تسـاعد على تجسيد القواعد التشريعية وتطبيقها على الحالات الفردية، دون تناقض أو تعديل- صريحا كان أو ضمنيا - لإرادة المشرع المعبر عنها بالنص القانوني .
وللملاحظة فإن كل ما سبق ذكره يتعلق باللوائح التنفيذية، أما اللوائح المستقلة فرغم أنها تعتبر قرارات إدارية، فإن القواعد التشريعية تختفي، و تظهر مكانها المبادئ العامة للقانون إضافة إلى القواعد الدستورية، و إذا خالفتها صارت غير مشروعة كنتيجة منطقية لمبدأ التدرج .
-IIخضوع اللوائح للقواعد التشريعية في الحالة غير العادية:
سبق و أن حددنا قيمة اللوائح و الأوامر الصادرة في الظروف غير العادية بكونها تكتسب قوة القانون نتيجة هذه الظروف، و بالتالي فيجوز لها مخالفة القواعد التشريعية، و كذلك الشأن للمبادئ العامة للقانون، و لكن رغم ذلك تبقى أعمالا إدارية طبقا للمعيار العضوي فتخضع للرقابة القضائية، التي ينبغي أن تتكفل بإخضاعها لما يسميه الفقه بالشرعية الاستثنائية، التي تمثل الحد الأدنى من القيود على السلطة التنفيذية وذلك حماية الحقوق والحريات.



الفصل الثاني
التكريس القضائي لمبدأ تدرج القواعد القانونية



بعد أن تقرر أن القواعد القانونية في الدولة متدرجة من حيث قوتها الإلزامية، فتسمو القواعد الدستورية و ما يلحق بها من مبادئ عامة للقانون على كل القواعد القانونية الأخرى، و تسمو الاتفاقيات على غيرها من القواعد القانونية ماعدا الدستور، و تسمو القواعد التشريعية على اللوائح، ثم تأتي القواعد العرفية، و بعدها مبادئ القانون الطبيعي و قواعد العدالة، و بعد أن تبين لنا مظاهر خضوع السلطات العامة للدولة لهذا التدرج، و الجزاءات المترتبة على خروجها عن مقتضياته، فإنه لابد من الإشارة إلى أن ذلك سيكون بلا معنى إذا لم يتم تكريسه عن طريق القضاء، باعتباره سلطة مستقلة أوكل لهـا الدستور-وهو القانون الأساسي في الدولة –مراقبة تطبيق القواعد القانونية أيا كان مصدرها، و بالتالي حماية الشرعية من أي خروج عليها أو مجاوزة لحدودها.
و لذلك فيجب على القضاء تكريس مبدأ التدرج القانوني بأن يبسط رقابته على خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى أي أن يبسط رقابته على دستورية القوانين أي سمو القواعد الدستورية (المبحث الأول) و كذلك على تدرج القواعد القانونية الأخرى فيبسط رقابته على اتفاقية القوانين و مشروعية اللوائح (المبحث الثاني)
المبحث الأول
الرقـابة القضائية على سمـو القواعـد الدستوريـة
يتولد عن تدرج القواعد القانونية ما يعرف بمبدأ دستورية القوانين و شرعية اللوائح، و عدم دستورية القوانين و اللوائح يعني ورودها على خلاف قواعد الدستور، هذه المخالفة التي قد تكون مخالفة من حيث الشكل أو من حيث المضمون، و لقد ثار خلاف تقليدي في الفقه و القضاء حول مدى حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين( )، وتعدى هذا الخلاف إلى موقف المشرع في مختلف الدول، ففي حين يجعل البعض رقابة القضاء على دستورية القوانين أمرا مسلما به، يقف البعض الآخر على النقيض من ذلك، و لكل وجهة نظره و حججه التي تدعم موقفه، وتدور تلك الحجج حول محور أساسي هو الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات، و على الرغم من أن الاتجاه الغالب في الفقه و القضاء المقارن قد سلم بحق القضاء في الرقابة الدستورية، فإن الرأي ليس واحدا في هذه المسألة بالنسبة للقضاء الجزائري، فهناك من يعارضها و هناك من يؤيدها، كما انه وإن اعترفنا بحق القضاء في هذه الرقابة، فإن الخلاف سيثور مجددا حول السلطة التي يملكها اتجاه القانون الذي اكتشف عدم دستوريته، و ماذا يترتب على الحكم الصادر في ذلك، كل تلك المسائل تفرض التعرض إلى تقرير مدى اختصاص القضاء برقابة دستورية القوانين (المطلب الأول) و تحديد السلطات التي يملكها القاضي في هذا الإطار (المطلب الثاني).


المطلب الأول
تقرير الرقابة القضائية على دستورية القوانين
إن سمو الدستور سيكون كلمة بلا معنى إذا كان من الممكن انتهاكه من جانب السلطة التشريعية أو التنفيذية، وذلك إذا لم تخضع أعمالها للرقابة على دستورية القوانين واللوائح ( )، ولا شك أن الرقابة القضائية هي الرقابة الفاعلة باعتبار وظيفة القضاء الطبيعية في حماية الحقوق والحريات وحراسة الشرعية في الدولة، ولكن بسط القضاء رقابته على دستورية القوانين تقف أمامها عقبات أهمها ما يثيره المعترضون من أن اختصاص القضاء بهذه الرقابة يعد خروجا عن مهمته في تطبيق القانون، وخرقا بالتالي لمبدأ فصل السلطات، خصوصا وان الدستور أوكل اختصاص رقابة الدستورية للمجلس الدستوري، فكل ذلك مانعا من هذه الرقابة القضائية، ولكن ألا تعد القواعد الدستورية قواعد قانونية فتندرج ضمن القواعد التي يطالب القاضي بتطبيقها؟ وإذا وقع التعارض بينها وبين القواعد القانونية الأخرى فكيف يتصرف القاضي مع هذا التعارض؟ وماذا يفعل القاضي أمام الدفع بعدم دستورية قانون معين؟ هل يحيل الدفع للمجلس الدستوري؟ أليس هذا الحل ممنوعا عليه؟ فما الحل أمام التزامه بالرد على الدفوع؟ ثم هل حقا مبدأ فصل السلطات يعد عائقا أمام بسط القاضي لرقابته على دستورية القوانين؟
إن سلطة القضاء في رقابة دستورية القوانين يستمدها من التزامه بتطبيق القانون (الفرع الأول) والتزامه باحترام حقوق الدفاع وبالتالي إلزامية الرد على الدفوع (الفرع الثاني) ويتدعم هذا بالنظر للمدلول الحقيقي لمبدأ فصل السلطات والذي سيقود للنتيجة السابقة وليس العكس(الفرع الثالث).
الفرع الأول
التـزام القاضـي بتطبيـق القانـون
الاتفاق حاصل على كون وظيفة القاضي هي تطبيق القانون للفصل في النزاعات المعروضة عليه، ولا شك أن القانون المقصود هو القانون بمعناه الواسع، فيندرج ضمنه كل القواعد القانونية المكتوبة منها وغير المكتوبة، والمادة الأولى من القانون المدني تؤكد ذلك، فتندرج القواعد الدستورية ضمن مضمون القانون الذي يلتزم القاضي بتطبيقه( )، وهذا الأمر لا إشكال فيه إذ يعد سليما من الناحية النظرية ويسلم به الفقه والقضاء، ولكن المسألة تصبح محل نظر عند التعارض بين نص دستوري ونص تشريعي، فهنا كيف يتصرف القاضي؟ هل سيطبق النص التشريعي تماشيا مع الرأي القائل بامتناع القاضي عن التعرض لمسألة صحة القانون من الناحية الموضوعية، وإن جاز له فحصه من الناحية الإجرائية ؟ أم أن القاضي سوف يوازن بين النصين فإذا وجد التعارض ثابتا بينهما أعمل مبدأ التدرج الذي يفرض إهمال النص الأدنى والفصل في النزاع طبقا للنص الأعلى؟
إن الاتجاه الغالب في الفقه والقضاء المقارن يرى أن القضاء عليه أن يقوم بالرقابة على دستورية القوانين، إذ يعد ذلك من صميم عمله القضائي فيكون ذلك التزاما وجوبيا لا جوازيا، لأن مهمته تشمل أية ناحية تتعلق بتطبيق القوانين ومراعاة ترتيبها، فالمهمة الأساسية للقاضي تقوم على تطبيق القانون فيلتزم أولا بتعيين القاعدة التي يجب مراعاتها، وتغدو مهمته التي لا يستطيع التهرب منها منصبة على حل المناقضات التي يمكن أن تثور أمامه بين القواعد القانونية، وهذا في الواقع ما يعمله بصورة مستمرة إذ أنه يفصل في النزاع بين القانون القديم والقانون الجديد، وبين القانون العام والقانون الخاص، وبين القانون الوطني و القانون الأجنبي، وعلى ذلك فالتزام القاضي بتطبيق القانون يندرج ضمنه التزامه بإزالة التعارض بين القوانين بتغليب القانون الأعلى واستبعاد القانون الأدنى، وبالتالي فإذا كان التعارض بين الدستور والقانون فإنه يستبعد القانون لصالح الدستور، وهو في أدائه هذا الدور لم يخرج عن دوره في تطبيق القانون لاندراج أحكام الدستور ضمن مفهوم القانون الذي يخاطب القاضي بتطبيقه( )، وفي نفس الإطار يرى بعض الفقه أن القانون المخالف للدستور لا يعد موجود أصلا( ) فلا يقع على القضاة عبء تطبيقه مادام مخالفا للدستور أي منعدما، فالقاضي ملزم بتطبيق القانون طالما صدر وفقا للقواعد الدستورية، فإذا جاء خرقا لها فإنه يعد غير نافذ ولا يلتزم القاضي بتطبيقه، لأن واضعه خرج عن الشرعية الدستورية للقانون، وهذا هو مقتضى مبدأ تدرج القواعد القانونية وسمو الدستور.
وفي هذا تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية( ): " إن نصوص الدستور تمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وإهدار ما يخالفها من تشريعات بغية الحفاظ على مبادئه(الدستور) وصون أحكامه من الخروج عليها " وتؤكد ذات المحكمة حتمية الرقابة القضائية على دستورية القوانين بقولها: "إن مبدأ الشرعية وسيادة القانون وهو المبدأ الذي يوجب خضوع سلطات الدولة للقانون والتزام حدوده في كافة أعمالها وتصرفاتها، هذا المبدأ لن ينتج أثره إلا بقيام مبدأ آخر يكمله ويعتبر ضروري مثله لأن الإخلال به يودي بمبدأ المشروعية ويسلمه إلى العدم، ذلك هو مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين من جهة، وعلى مشروعية القرارات الإدارية من جهة أخرى لأن هذه الرقابة القضائية هي المظهر العملي الفعال لحماية الشرعية وهي التي تكفل تقييد السلطات العامة بقواعد القانون، كما تكفل رد هذه السلطات إلى حدود المشروعية إن هي تجاوزت تلك الحدود وغني عن البيان أن أي تضييق في تلك الرقابة ولو اقتصر التضييق على دعوى الإلغاء سوف يؤدي حتما إلى الحد من مبدأ الشرعية وسيادة القانون ولذا يتعين أن تقف سلطة المشرع إزاء حق التقاضي عند حد التنظيم فلا تجاوزه إلى الحظر أو الإهدار"( ) وبالتالي فطاعة القانون لا تمنع من رقابة مطابقته للدستور. وفي حكم "مارشال"( ) الذي يربط الفقه بينه وبين نشأة مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين والذي صدر عام 1803 جاء فيه: "من واجب الهيئة القضائية أن تفسر القانون وتطبقه وعندما يتعارض نص تشريعي أو قانون مع الدستور فإن السمو والبقاء يكون للدستور " وهو ما تم تكريسه لاحقا في قضاء عديد الدول، ومنها القضاء الروماني حيث أصدرت المحكمة العليا الرومانية حكما سنة 1912( ) جاء فيه: "حيث انه في حالة التعارض يكون من حق القاضي التثبت من دستورية القانون العادي فإذا اتضح له مخالفته للدستور وجب عليه تفضيل النصوص الدستورية، ولا يمكن القول أن القاضي في هذه الحالة قد خرج عن اختصاصه واعتدى على اختصاص السلطة التشريعية، بل بالعكس إن القاضي بعمله هذا إنما يقوم بوظيفته القانونية وهي معرفته أي قانون يجب تطبيقه في النزاع المعروض عليه" وعلى ذلك فالسلطة الدستورية المقررة للمحاكم في تفسير وتطبيق القوانين، تفترض المفاضلة بين القوانين المطلوب تطبيقها على النزاع، بحيث ترجح القانون الأعلى مرتبة وتهمل القانون الأدنى، ومن ثم إذا ما تعارض حكم القانون مع الدستور وجب إعلاء الأخير وإهمال الأول، ذلك أن السيادة دائما يجب أن تكون للدستور.
ومعنى هذا جميعه أن عمل القضاء ونشاطه من اجل تطبيق القانون يجب أن يتم في إطار المفهوم الذي سبق تحديده لمبدأ تدرج القواعد القانونية، حيث انتهينا إلى اعتبار القواعد الدستورية مصدرا للمشروعية العليا في الدولة، فتقف على قمة درجات أو طبقات النظام القانوني، وعلى ذلك فإن القاضي باعتباره السلطة المنوط بها تفسير القانون وتطبيقه، عليه إذا ما عرض له عارض أي إذا ما اكتشف تعارضا بين التشريع الذي يهم بتطبيقه وبين الدستور أن يتصدى لهذا العارض ويسعى إلى إزالته ليمهد السبيل إلى التطبيق الصحيح للقانون.
الفرع الثاني
التزام القاضي باحترام حقوق الدفاع
يعتبر مبدأ احترام حقوق الدفاع( ) أحد الدعائم الإجرائية الأساسية في كل الأنظمة الإجرائية،ولهذا تتشدد المحاكم العليا في مختلف الدول في الرقابة على الأحكام التي تتجاهل حق الدفاع باعتبار ذلك مسألة قانون تخضع لاختصاصها، واستنادا لحق الدفاع فإن القاضي يلتزم بالرد على الدفوع المبداة أمامه سواء منها المدنية أو الإدارية أو الجزائية طالما كانت جدية، وهذا تحت طائلة عدم التسبيب الذي يجعل حكمه عرضة للنقض والإبطال من الجهات القضائية العليا، وهو ما كرسته المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 21 /05/1984( ) الذي جاء فيه: "من المقرر قانونا أن القرار الذي لا يستجيب في تسبيبه إلى طلبات أو دفوع احد أطراف الدعوى فإن هذا القرار يكون مشوبا بانعدام التسبيب" وكذالك القرار المؤرخ في 26/11/1984( ) الذي جاء فيه: "من المقرر قانونا أن كل قرار يجب أن يتضمن الإجابة عـلى كافة الطلبات والدفوع المقدمة من أطراف الدعوى دون تفرقة أو تمييز بالأوجه المستظهر بها لتأييد طلب أو دفع والقضاء بما يخالف هذا المبدأ يجعله مشوبا بعدم التسبيب"
ومن الدفوع التي قد تثار أمام القاضي الدفع بعد دستورية القانون المراد تطبيقه في النزاع فكيف يتصرف القاضي ؟
تفرض القوانين الإجرائية سواء منها المدنية أو الجزائية على القاضي الرد على الدفوع ومناقشتها، إذ يستشف من المادة 38 والمادة 144 من قانون الإجراءات المدنية، والمادة 330 و331 من قانون الإجراءات الجزائية، أن الجهة القضائية ملزمة بالاستماع للدفوع المقدمة إليها وبمناقشتها وتدوينها في حكمها والرد عليها تحت طائلة عدم التسبيب، ولا شك أن القاضي سيجد نفسه أمام موقفين قد يتخذهما أمام الدفوع الجدية، فهو إما يجيب على هذه الدفوع ولو كان غير مختص بها طبقا لقاعدة(قاضي الأصل هو قاضي الفرع) أو(قاضي الدعوى هو قاضي الدفع) وهو مقتضى المادة 330من قانون الإجراءات الجزائية، أو أنه يوقف الفصل في الدعوى، ويحيل الإطراف للجهة القضائية المختصة لتفصل في هذا الدفع طالما وجد مانعا من الفصل فيه من طرفه، وهو ما تقرره المادة 331 من قانون الإجراءات الجزائية، فأي الموقفين يسلكه القاضي بالنسبة للدفع بعدم دستورية القوانين ؟
الأصل أن يتحدد اختصاص المحكمة بطلب المدعي الأصلي وبالخصومة الناشئة عنه، إلا أن اختصاص المحكمـة يمتد كثيرا إلى مسائل أخرى، إذ قد تتفرع الخصومـة بما يثار فيها من مسـائل، والتي منها المسائل الفرعية أو الطارئة التي تثور أثناء نظر الدعوى وتختص بها المحكمة بما لها ولاية ممتدة أو تكميلية لولايتها الأصلية بنظر الطلب الأصلي، وهناك أيضا الدفوع التي تثار أثناء سير الخصومة، وتختص بها أيضا المحكمة التي تنظر الطلب الأصلي على أساس تمتعها بولاية تكميلية وأن من اختص بالأصل له أن ينظر الفرع المتولد عنه، ولكن امتداد اختصاص محكمة الأصل لتلك المسائل الفرعية أو الدفوع إنما يكون في حدود معينة، إذا أن قاعدة قاضي الدعوى هو قاضي الدفع تمنح للمحكمة سلطة الفصل في الدفوع المبداة أمامها مالم ينتج عن الدفع مسألة أولية تخرج عن اختصاص المحكمة، فهنا لا تنظرها محكمة الدعوى الأصلية، والمسألة الأولية هي مسألة يتوقف الحكم في الدعوى على الفصل فيها، والأصل أن قاضي الدعوى الأصلية لا يفصل فيها رغم تلازمها مع الطلب الأصلي لكونها لا تدخل في اختصاصه، ومن المسائل التي يعتبرها الفقه أولية(مسألة دستورية القوانين) فإذا كانت إحدى المحاكم تنظر نزاعا وستطبق نصا معينا على هذا النزاع ووجد أحد الخصوم أن هذا النص غير دستوري فله أن يثير مسألة عدم الدستورية، ناهيك عن انه لو اعتبرناها من النظام العام فسيثيرها القاضي من تلقاء نفسه، وهنا تتوقف المحكمة عن الفصل في النزاع إلى أن تحسم مسألة دستورية هذا النص( )، هذا بالنسبة للدول التي تفسح المجال لإحالة تلك المسألة لمحكمة دستورية متخصصة كمصر وسوريا، أما في الجزائر فلا توجد مكحمة دستورية بل مجلس دستوري ولا يملك القضاء أو الأفراد حق إخطاره، فماذا يفعل القاضي أمام الدفع بعدم دستورية القانون ؟
إنه نظرا لغياب محكمة مختصة بالفصل في دستورية القوانين فقد اختلف الفقه حول مدى سلطة القاضي تجاه القوانين المخالفة للدستور، فهناك من ذهب إلى أن القاضي يجب عليه أن يمتنع عن تطبيق القانون المخالف للدستور، وهناك من ذهب إلى عكس ذلك نظرا لالتزام القاضي بتطبيق القانون دون مراقبة مطابقته للدستور، وعلى ذلك فالمسألة تحتاج إلى وقفة تحليلية عميقة .
إن الاتفاق حاصل لدى الفقه والقضاء على أن القاضي عندما يخول النظر في نزاع معين ملزم – مالم يمنع بنص صريح – بالفصل في جميع المسائل المادية والقانونية التي يعتبر حلها ضروريا لإصدار الحكم في النزاع( )، وهذا مقتضى مبدأ (قاضي الأصل هو قاضي الفرع) فعند ما يدلي بقبوله سبب يتعلق بعدم دستورية قانون ما عن طريق الدفع يكون الحكم بالضرورة عكس الإدلاء به بطريق الدعوى، فيحتاج القاضي لقبول الدعوى نصا يخوله الاختصاص بالفصل فيها، أما الدفع فإنه يكون دائما مقبولا أمام القاضي، إذ الفصل في الدفوع هو اختصاص يتقرر بحكم اختصاصه بالدعوى لا بنص خاص في القانون، وطالما لم يوجد نص قانوني في الجزائر يمنع القاضي من الرد على الدفع بعدم السدتورية، فإن معنى ذلك هو إلزامية قيام القاضي بمناقشة هذا الدفع والرد عليه إيجابا أو سلبا( ). وهذه المسألة من المفروض أن لا تثير إشكالا في الجزائر لكون الدستور الجزائري لم يوجد محكمة دستورية خاصة، ولا فتح المجال لإحالة الدفع بعدم الدستورية إلى المجلس الدستوري من طرف القضاء أو الأفراد، إضافـة إلى أن الدستـور لم يمنع صراحة أو ضمنا الدفع بمخالفة القانون للدستور، ولا منع القاضي من الفصل فيه، ولهذا يكون الدفع مقبولا، والقاضي عند ما يأخذ بالدفع لا يساق إلى إبطال القانون بل يقف بوجه تطبيقه على النزاع المطروح عليه، ومن ثمة فطالما لم ينشئ المشرع الدستوري هيئة قضائية خاصة بالرقابة على دستورية القوانين، ولم يفتح المجال لوقف الدعوى وإحالة الأطراف إلى المجلس الدستوري، فإنه لا يسوغ للقاضي الجزائري إلا حلا واحدا وهو أن يفصل في هذا الدفع، لا بأن يحكم بعدم اختصاصه بل بان يبسط رقابته على دستورية القانون المطعون فيه، وإلا كان حكمه معيبا في تسبيبه ( ).
على أن أشد ما في الأمر أن القاضي لا يستطيع جهارة التهرب من أداء مهمته وإن كان يستطيع أن يخونها، فمادام الدستور لا يتضمن نصا يحظر بحث الدفع بعدم دستورية القانون وقد عمد القاضي إلى رده بصورة مستمرة، فتكون النتيجة مهما أراد الدفاع عن خطته امتناعا عن تطبيق أحكام الدستور وتفضيل القانون العادي المتعارض معه، فيكون في الواقع قد فصل في التنازع بين القواعد القانونية المعروضة عليه ولكنه أخطـأ في قضائه، إذ انه ضحى بالقـاعدة العليـا أي الـدستور بعدم مراعاتها، واعتمد القاعدة الدنيا أي القانون العادي( ).
ومفاد ذلك أن القاضي الجزائري يجد نفسه بين أمرين لا يمكنه تجنبنهما فإما أن ينظر إلى دستور بلاده بصورة جدية واضعا أحكامه في المرتبة العليا من القواعد القانونية، بحيث تتغلب على أية قاعدة أخرى ويقبل حينئذ الدفع بعدم دستورية القانون، وإما أن يرفض الدفع بعدم دستورية القانون، وفي هذه الحالة ينكر في الواقع كل قوة قانونية لأحكام الدستور، ويعكس بالتالي الترتيب الطبيعي للقواعد القانونية . ويصلح في هذا الإطار الاستدلال بما جاء في إحدى إحكام المكحمة العليا الليبية في الطعن المدني رقم 3 /36( ) إذ جاء: "إن المشرع وإن نزع من المحكمة العليا اختصاصها في الرقابة على دستورية القوانين...إلا انه لم يمنع القاضي من النظر في الدفع بعدم صحة التشريع المعين في الدعوى الماثلة أمامه إذا تعارض مع تشريع آخر انطلاقا من وظيفته الأصلية في تفسير القانون وليس له في هذه الحالة أن يوقف النظر في الدعوى انتظارا لتشريع ثالث يزيل التعارض بينهما لأن وقف الدعوى في مثل هذه الحالة يعد امتناع عن الفصل فيها وهو ما يحرمه المشرع على القاضي "
ويلاحظ أن حق الدفع بعد دستورية القوانين أمر يكاد أن يكون مقررا في الدولة القانونية، وأن القضاء في عديد الدول اعتمد هذا المبدأ وكرس حق القضاء في الفصل فيه، باستثناء القضاء الفرنسي الذي مازال مصرا على التمسك برأيه المتمثل في انه: " لا يجوز له النظر في الدفع الفرعي الخاص بعدم دستورية القانون " ولقد أنحى الفقه الفرنسي في شبه إجماع باللائمة على موقف القضاء الفرنسي ونادى بضرورة تقرير رقابة القضاء لدستورية القوانين بطريق الدفع .
وعلى خلاف القضاء الفرنسي أبدى القضاء المصري شجاعة نادرة في التمسك باختصاصه برقابة الدستورية عن طريق الدفع رغم عم وجود نص يسمح له بذلك، بل ورغم وجود المحكمة الدستورية العليا، فالرقابة الدستورية عن طريق الدفع هي رقابة عامة يختص بها أي قاضي تم الدفع بعدم الدستورية أمامه ودون حاجة إلى نص يسمح للقاضي بذلك، وهو ما جاء في الحكم الصادر عن محكمة مصر الابتدائية بتاريخ 1/05/1946( )إذ جاء فيه بأن: "للمحاكم جميعها حق الرقابة على دستورية القوانين واللوائح " وهو الحكم الذي ألغته محكمة الاستئناف( )، لكن القضاء المصري بنوعيه – العادي والإداري – ظل مصرا على انتزاع هذه الولاية، لأنه لا يجوز وفقا لمبدأ تدرج القوانين وعند تعارض قانون عادي مع الدستور إلا تغليب هذا الأخير والامتناع عن تطبيق القانون العادي، إذ قرر مجلس الدولة المصري في حكمه الصادر بتاريخ10/02/1948( ): "انه ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين سواء من ناحية الشكل أو الموضوع " وبالنسبة للقضاء الجزائري فيحسن به تقرير حقه بالفصل في الدفع بعدم دستورية القوانين إذ لا يوجد نص دستوري أو تشريع يمنعه عن ذلك .
الفرع الثالث
مبدأ فصل السلطات يؤكد حق القضاء في الرقابة الدستورية
رغم كون السمو الدستوري وما يترتب عليه من بطلان القوانين المخالفة له، ورغم الأسانيد السالفة الذكر التي تؤسس بما لا يدع مجالا لشك حق القضاء في رقابة دستورية القوانين، فإن المعترضين يقفون في وجه هذا الرأي بالاستناد إلى مبدأ فصل السلطات، فبحسبانهم إن قيام القاضي برقابة الدستورية يعد تدخلا في اختصاص السلطة التشريعية من جهة، وتعدي على اختصاص المجلس الدستوري باعتباره مكلفا برقابة الدستورية من جهة أخرى، وهذا الطرح مردود عليه، إذ الفهم الصحيح لمدلول مبدأ فصل السلطات سوف يقود إلى عكس تلك النتيجة، فلا تعد رقابة القضاء للدستورية تدخلا في التشريع(أولا) ورقابة المجلس الدستوري لا تمنع رقابة القضاء (ثانيا) .
أولا: رقابة القضاء لا تعد تدخلا في التشريع:
بالنظر إلى الجدل الدائر بين أنصار الرقابة القضائية ومعارضيها حول علاقة مبدأ فصل السلطات بمسألة رقابة القضاء على الدستورية، فإنه يتوجب تحديد مدلول هذا المبدأ في الدستور الجزائري.
لقد ارتبط مبدأ فصل السلطات( ) بالفقيه "مونتسكيو" الذي صاغه صياغة متميزة في كتابه "روح القوانين" وحسب رأيه فإن الأخذ بهذا المبدأ يضمن ممارسة واحترام الحقوق والحريات الفردية لكونه يقتضي توزيع وظائف الدولة الثالث (التشريع والتنفيذ والقضاء) على هيئات ثلاث تسمى سلطات، فتباشر السلطة التشريعية التشريع، وتباشر السلطـة التنفـيذية مهـمة تنفيذ القانون، وتقوم السلطة القضائية بتطبيق القانون على كل ما يطرح أمامها من منازعات، وهذا المبدأ يمثل إحدى ضمانات دولة القانون، ذلك انه يعد وسيلة فعالة لمنع الاستبداد وصيانة الحريات وتحقيق شرعية الدولة، لأنه يوجد رقابة متبادلة بين السلطات، مما يكفل احترام القانون من طرفـها جميعا، وعلى ذلك فمبدأ الفصل لا ينافي مبدأ الرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة( )، بل على العكس من ذلك يعد ذلك المبدأ إحدى مضامينه وأهدافه الأساسية، إذ لا معنى للفصل إذا لم يفتح المجال للرقابة المتبادلة بما يكفل خضوع الدولة للقانون بكامل سلطاتها وأجهزتها، فهذا المبدأ يشير إلى نوع من التخصص في الوظيفة في ما بين السلطات، بحيث لا يباح كأصل عام لأي سلطة منها أن تعتدي عن الوظيفة التي تختص بها سلطة أخرى، ومع هذا التخصص الوظيفي يوجد نوع من التعاون والرقابة المتبادلة، لأن ذلك لا يتنافى مع استقلال كل منها، وليس له أدنى مساس بالتخصص الوظيفي ،فالرقابة المتبادلة لا تعد خرقا لمبدأ الفصل بل تعد إحدى مقتضياته، لأنها تؤدي إلى ضمان اعتدال السلطات وتكفل حماية حقوق وحريات الأفراد ،وبذلك يكون هذا المبدأ يعني تخصص وظيفي من جهة، ورقابة متبادلة من جهة أخرى، وقد تضمن الدستور الجزائري الأمرين معا فمع اعترافه بوجود السلطات الثلاث وتخصص كل سلطة بوظيفة تخصها،فإنه تضمن وجوها للرقابة المتبادلة بين تلك السلطات، إذ تملك السلطة التنفيذية حق الاعتراض على القوانين وإرجاعها لإجراء مداولـة ثانية، وحق إخطـار المجلس الدستوري، بل وتملك حق حل البرلمـان، ومقابل ذلك تملك السلطة التشريعية حق مراقبة الحكومة عن طريق الأسئلة والاستجواب وسحب الثقة وغيرها من الوسائل في مواجهة الحكومة، لكن أجل أنواع الرقابة وأبعدها أثرا في علاقة السلطات بعضها ببعض تلك الرقابة المعروفة باسم الرقابة على دستورية القوانين والرقابة على مشروعية اللوائح الممنوحين للقضاء، ورغم الاعتراف الكامل بالثانية فلا تزال الرقابة الدستورية محل جدل في مختلف الدول( )، وبالنسبة للدستور الجزائري فإنه لم يواجه مشكلة الرقابة القضائية على دستورية القوانين في نصوصه لا بالمنع ولا بالإجازة فما هو الحل ؟
إن مبدأ تدرج القواعد القانونية يقتضي تفاوتا في القوة بحيث يتحتم تقيد كل قاعدة دنيا بالقاعدة التي تسمو عليها في مدارج السلم القانوني، وينبني على ذلك لزوما تقيد القانون بالقواعد الدستورية، ولذلك يكون من الضروري والطبيعي خلق آليات لرقابة الدستورية، ونظرا لمقابلة هذا الأمر بأمر آخر يتعلق بضرورة سيادة البرلمان في المجال التشريعي، فإن الرأي اتجه في الكثير من الدول إلى تنظيم الرقابة في حدود معقولة، توفق بين مبدأ إجراءها وبين عدم إقحام القاضي في صميم عمل السلطة التشريعية، وفي نطاق هذه الحدود قد تختلف أساليب هذه الرقابة بين دولة وأخرى، وقد تقتصر بعضها على الرقابة السياسية وحدها، ولكن أثبتت التجارب أنها لم تحقق الأغراض المقصودة منها( )، ولذلك اعترف الفقه انه من الضروري بسط القضاء لرقابته على دستورية القوانين، وتختلف هذه الرقابة إلى صورتين رقابة امتناع ورقابة إلغاء، فالرقابة الأولى تقف عند حد الامتناع عن تطبيق القانون على النزاع المعروض على القاضي، أما الثانية فتصل إلى حد إبطال القانون بحكم يكون حجة على الكافة كما يلغى القرار الإداري سواء بسواء .
والقضاء بصفته موئل الحريات الحصين هو الجهة الطبيعة للرقابة على دستورية القوانين، فهذه الرقابة مما يلتئم مع طبائع الأشياء، ويتفق مع طبيعة وضيفة القاضي أن يكون هو الجهة التي تنبعث منها الرقابة الدستورية، لأنه سلطة مستقلة يملك أن يرد أي سلطة أخرى إلى حدودها إذا ما خرجت عن الحدود المرسومة في الدستور، امتثالا لمقتضى عبارة "مونتسكيو"( ) الشهيرة: "إن كل إنسان يتمتع بسلطة يسئ استعمالها في العادة إذ يتمادى في استعمالها حتى يظهر من يوقفه عند حده...والفضيلة ذاتها في حاجة إلى حدود ولضمان عدم إساءة استعمال السلطة ينبغي أن يكون النظام مؤسس على أن السلطة تحد السلطة Seul le pouvoir arrête le pouvoir "
ومن الناحية النظرية لا تقوم أية عقبة قانونية من شأنها الحيلولة دون رقابة القضاء الجزائري على دستورية القوانين، ولكن الواقع هو أن القضاء الجزائري لم يسلم بحقه في هذه الرقابة متأسيا بالقضاء الفرنـسي الذي رفض اختصاصه بالرقـابـة الدستـورية سـواء بطريـق الدعـوى أو الدفع( )، وعلى العكس من ذلك كانت عدة مناسبات للقضاء العربي، ومنه القضاء المصري ليبسط رقابته بجرأة على دستورية القوانين عن طريق الامتناع، ومن ذلك حكما شهيرا لمجلس الدولة المصري وقد صدر هذا الحكم في 10/02/1948 ومما جاء فيه : " ومن حيث أن محامي الحكومة دفع بان المحكمة لا تملك التصدي لبحث دستورية القوانين موضوعا وكل ما تستطيعه هو التحقق من توافر الأركان الشكلية للقانون فإذا ظهر أنها متوافرة فيه فقد امتنع عليها البحث في دستوريته من حيث مطابقته أو عدم مطابقته للمبادئ المقررة في الدستور وذلك إعمالا لمبدأ فصل السلطات الذي يقوم على استقلال كل سلطة عن الأخرى في عملها وعدم التدخل فيه أو تعطيله.
ومن حيث انه ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين سواء من ناحية الشكل أو الموضوع، أما القول بان هذا التصدي إهدار لمبدأ فصل السلطات بتدخل السلطة القضائية في عمل السلطة التشريعية بما يعطل تنفيذه فإنه يقوم على حجة داحضة إذ على العكس من ذلك فإن في التصدي إعمال لهذا المبدأ ووضع للأمور في نصابها الدستوري الصحيح بما يؤكده ويثبته ذلك أن الدستور المصري وإن قرر المبدأ المذكور ضمنا حين حدد لكل سلطة من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية المجال الذي تعمل فيه فقد قرنه بمبدأ أخر أكده ضمنا وجعله متلازما معه حين قرر أن استعمال السلطات يكون على الوجه المبين في الدستور فالمبدآن متلازمان يسيران جنبا لجنب ويكمل احدهما الأخر وبغير ذلك لا تنتظم الحياة الدستورية لأنه يستتبع ذلك أنه إذا أهدرت إحدى السلطات أي مبدأ من مبادئ الدستور فإنها تكون قد خرجت عن دائرة المجال المحدد لاستعمال سلطتها، وإذا جاء لها أن تتخذ من مبدأ فصل السلطات تعلة تتذرع بها في إصدارها الدستور لانتهى الأمر إلى فوضى لا ضابط لها.
ومن حيث انه بعد أن تحدد معنى مبدأ فصل السلطات بحسب روح الدستور أخذا من دلالة المقابلة بين نصوصه وتفهم مراميها، يتعين بعد ذلك تحديد وظيفة المحاكم إزاء تعارض قانون من القوانين العادية مع الدستور نصا أو روحا و ما الذي ينبغي على المحاكم عمله وما تكييف عملها في هذه الحالة.
ومن حيث أن الدستور المصري إذ قرر أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم قد ناط بها تفسير القوانين و تطبيقها فيما يعرض عليها من شتى المنازعات ،و يتفرع عن ذلك أنها تملك الفصل عند تعارض القوانين في أيها هو الواجب التطبيق إذ لا يعدو أن يكون هذا التعارض صعوبة قانونية مما يتولد من المنازعة فتشملها سلطة المحكمة في التقدير و في الفصل لأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع.
و من حيث أنه لا جدال في أن الأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923 بوضع نظام دستوري للدولة المصرية هو أحد القوانين التي يجب على المحاكم تطبيقها، و لكن يتميز عن سائر القوانين بما له من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلو و تسمه بالسيادة بحسبانه كفيل الحريات و موئلها و مناط الحياة الدستورية و نظام عقدها، و يستتبع ذلك أنه إذا تعارض قانون عادي مع الدستور في منازعة من المنازعات التي تطرح على المحاكم و قامت بذلك لديها صعوبة مثارها أي القوانين هو الأجدر بالتطبيق وجب عليها بحكم وظيفتها القضائية بناء على مقتضى أصول هذه الوظيفة وفي حدوده الدستورية المرسومة لها و لا ريب في إنه يتعين عليها عند قيام هذا التعارض أن تطرح القانون العادي و تهمله و تغلب عليه الدستور و تطبقه بحسابه القانون الأعلى الأجدر بالإتباع و هي في ذلك لا تعتدي على السلطة التشريعية مادامت المحكمة لا تضع بنفسها قانونا ولا تقضي بإلغاء قانون و لا تأمر بوقف تنفيذه، و غاية الأمر أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا فتفصل في هذه الصعوبة و تقرر أيها الأولى بالتطبيق، و إذا كان القانون العادي قد أهمل فمرد ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من القاضي و الشارع على حد سواء "( ).
و عليه فإن حق المحاكم في قبول الدفع بعدم دستورية القوانين و إن كان يبدو للوهلة الأولى فيه بعض المساس بمبدأ الفصل بين السلطات، و ما يقتضيه من ضرورة امتناع القضاء عن التعرض لأعمال السلطة التشريعية، إلا أنه عند التعمق نجد أنه عند تعارض قانون عادي مع قانون أساسي يكون من الواجب على المحاكم تطبيق هذا دون ذاك، و لا يعتبر هذا تدخلا منها في أعمال السلطة التشريعية، لأنها لا تقرر إبطال القانون ولا تقول بعدم الدستورية بصفة عامة، بل تقول بعدم إمكانية تطبيقه على المنازعة المعروضة أمامها لتعارضه مع القـانون الأساسي الـواجب الاحترام. ( )
ثانيا: اختصاص المجلس الدستوري لا يمنع الرقابة القضائية:
يرى بعض الفقه أنه طالما أن المشرع الدستوري أوكل اختصاص الرقابة على دستورية القوانين للمجلس الدستوري، فمؤدى ذلك أن رقابته هذه تمنع رقابة الهيئـات الأخـرى وخصوصا القضـاء، ويرد الاتجاه الغالب في الفقه على هذا الرأي بكون رقابة المجلس الدستوري لا تمنع رقابة القضاء بل تكملها و تسندها، و يستندون في ذلك إلى حجج أهمها أن رقابة المجلس الدستوري سياسية (I) وأنها بالنظر إلى آلياتها و طريقة تحريكها قاصرة (II) .
I-الطابع السياسي لرقابة المجلس الدستوري: إن تقييم فعالية رقابة المجلس الدستوري، و كفايتها في التجسيد الفعلي لسمو الدستور، يفرض التعرض لطبيعة هذه الرقابة: هل هي رقابة سياسية أم قانونية؟ وما يترتب على هذه التفرقة من آثار تتعلق باستقلالية المجلس الدستوري و مصداقية أعماله؟
و نظرا لكون الدستور الجزائري لم يحدد طبيعة هذه الرقابة، و لا تم معالجتها ضمن أحكام النظام الداخلي للمجلس الدستوري، فإن ذلك أدى إلى انقسام الفقه إلى اتجاهين( ) رئيسيين: يرى الاتجاه الأول أن المجلس الدستوري هيئة قضائية و ذلك اعتمادا على مقارنته مع نظيره في النظم المقارنة التي اعترفت صراحة بالطبيعة القضائية للهيئة المكلفة بالسهر على احترام الدستور كالنمـسا وإيطاليـا وإسبانيا، كما استـندوا إلى حجج عـدة منهـا الشكـلية و منها الموضوعية( )، ومنها أن المشرع الدستوري بتأسيسه المجلس الدستوري وتكليفه باحترام الدستور فهو قد مال إلى تبني نموذج القضاء الدستوري Une justice constitutionnelle وقد عبر عن هذا الأستاذ وليد العقون( ) قائلا:
« Un instituant un conseil constitutionnel chargé de veiller au respect de la constitution le constituant Algérien semble se ranger sur le modèle de justice constitutionnelle en adaptant ses éléments constitutifs. Ceux-ci s’ordonnent autour de deux postulats qui se combinent : la position suprême de l’organe de contrôle (conseil constitutionnel) fondée sur la supériorité de la norme de référence (la constitution (»
و هذا إضافة إلى أن كون المجلس الدستوري يتمتع بنفس الضمانات الممنوحة للقضاة كالاستقلالية و الحياد و عدم إمكانية الجمع بين العضوية في المجلس ووظائف أخرى، و أن الآراء و القرارات التي تصدر عن المجلس تشبه كثيرا الأحكام و القرارات القضائية، وهذا الاتجاه لو سايرناه سوف يؤدي بنا إلى نتيجة مفادها عدم اختصاص القضاء بالرقابة على دستورية القوانين، طالما تم إيكالها للمجلس الدستوري و هو هيئة قضائية، و لكن هذا الطرح ليس مسلما من غالب الفقه و الذي يؤكد الطابع السياسي لرقابة المجلس الدستوري مستندا إلى حجج و أسانيد منها أن المشرع الدستوري نظم أحكام المجلس الدستوري في الفصل الأول من الباب الثالث تحت عنوان الرقابة بينما نظم
السلطة القضائية في الباب الثاني الفصل الثالث، و هو ما يجعل المجلس الدستوري مستقلا تماما عن السلطة القضائية سوءا من الناحية العضوية أو المـوضوعية و هذه الملاحظة الشكـلية جعلت البعض يـذهب إلى القـول بأن رقـابة المجلـس الدستوري لا تنتـمي إلى الـوظيفة القضائية « le contrôle constitutionnel en Algérie né participe pas de l’exercice de fonction juridictionnelle » و أن تشكيلة المجلس الدستوري حسب المادة 164 من الدستور يغلب على اختيار أعضائها الطابع السياسي، إذ يعين ثلاثة من بينهم الرئيس من طرف رئيس الجمهورية، و ينتخب أربعة أعضاء من طرف البرلمان، و لا يغير من هذه الطبيعة أن عضوين تنتخبهما المحكمة العليا و مجلس الدولة، ضف إلى ذلك أن تحريك المجلس الدستوري لا يكون بطريقة الدعوى التي يحرك بها القضاء بل بواسطة الإخطار المحتكر من طرف ثلاثة شخصيات في الدولة فحسب ،و ليسوا هم بالطبيعة أطراف النزاع، كما أن موضوع الآراء و القرارات الصادرة علن المجلس الدستوري تختلف من حيث موضوعها مع الأحكام القضائية، إذ تقتصر على التصريح بوجود مخالفة للدستور أم لا فهي لا تنشئ حقا و لا تقرره، و هو ما يجعل آليات تنفيذها تختلف عن آليات تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية، و يخلص هذا الاتجاه إلى القول بان المجلس الدستوري هيئة سياسية و رقابته على دستورية القوانين سياسية( )، و بالتالي فهي لا تتعارض مع بسط القضاء لرقابته على دستورية القوانين لاختلاف الرقابتين في الأهداف و الوسائل فتكون احداهما سندا للأخرى لا متعارضة معها ، خصوصا و أن النصوص الدستورية المتعلقة بالمجلس الدستوري لم تمنع رقابة القضاء.
II-عدم فعالية رقابة المجلس الدستوري:قصر الدستور حق تحريك المجلس الدستوري على ثلاثة شخصيات في الدولة و هم رئيس الجمهورية و رئيس المجلس الشعبي الوطني و رئيس مجلس الأمة، و هو ما يجعل المجلس الدستوري لا يختص تلقائيا، وأن بابه مغلق أمام باقي الأشخاص و الهيئات بما فيها الهيئات القضائية التي لا يمكنها إخطار المجلس الدستوري إذا تقدم أمامها الأطراف بطلب أو دفع يرمي إلى فحص دستورية القانون المراد تطبيقه عليهم في نزاعاتهم المنشورة أمام القضاء، و هذا أحد أوجه القصور في الرقابة الدستورية التي يقوم بها المجلس الدستوري، و الوجه الآخر أنه لا يوجد ما يلزم الأشخاص الثلاثة المختصون بالإخطار بتحريك هذه الرقابة، اللهم إلا فيما يتعلق ببعض الحالات التي يوجد فيها نص خاص يلزمهم بالإخطار كحالة القوانين العضوية و بعض المعاهدات الدولية، و هو ما يجعل الرقابة الدستورية التي يقوم بها المجلس الدستوري تخضع لأهواء الشخصيات الثلاثة السابقة ، و يؤكد قصور هذه الرقابة في حماية الشرعية الدستورية من انحراف السلطة التشريعية و يجعل بالتالي مبدأ تدرج القوانين و مبدأ سمو الدستور بدون معنى( )، و يفرض بالتـالي البحث عن آليات أخرى كفيلة بتحقيق هذا الهدف و يأتي على رأس هذه الآليات الرقابة القضائية، و معنى ذلك كله أن رقابة المجلس الدستوري لا تمنع رقابة القضاء بل بالعكس هي تؤكدها نظرا لطابعها السياسي و لقصورها عن كفالة سمو الدستور.
والخلاصة أن كل الأسانيد والحجج تؤكد أن القاضي الجزائري مختص للفصل في دستورية القوانين، والقول بغير ذلك يؤدي للقول بأن القانون أسمى من الدستور وينقلب بالتالي الأساس الطبيعي للترتيب، ويؤدي بالنتيجة لإخضاع السلطة التأسيسية إلى رغبة السلطة التشريعيةK وهو ما عبر عنه الفقيه ربير( ): "إن غياب الرقابة القضائية يؤدي إلى النتيجة الغريبة التالية و هي تكريس سيادة القانون على الدستور في حين أن السلطة التشريعية مؤلفة من مجموعة هيئات أوجدها الدستور مع غيرها من السلطات الأخرى و أنها مثل هذه السلطات خاضعة إلى الميثاق الأساسي" ومما يؤكد هذا الطرح ما قضت به المادة 116 من قانون العقوبات الجزائري التي نصت على أنه: "يعاقب بالسجن المؤقت مرتكبو جريمة الخيانة من خمس إلى عشر سنوات:
1-القضاة و ضباط الشرطة القضائية الذين يتدخلون في أعمال الوظيفة التشريعية سوءا بإصدار قرارات تتضمن نصوصا تشريعية بمنع وقف تنفيذ قانون أو أكثر أو بالمداولة لمعرفة ما إذا كانت القوانين ستنشر أو تنفذ " فهذه المادة تمنع تدخل القضاء في اخـتصاص السلـطة التشريعية، سواء بإصدار نصوص تشريعية أومنع أو وقف تنفيذ القوانين أو بالمداولة التي تتعلق بمسالة نشر القانون أو تنفيذه، وهي الأفعال التي لا يندرج ضمنها قيام القاضي بمراقبة دستورية القانون، إذ منتهاها أن يمتنع عن الفصل في النزاع بواسطة هذا القانون إذا وجده مخالفا للدستور ،ويفصل في النزاع باعتماد قواعد قانونية أخرى( ).
المطلب الثاني
سلطات القاضي عند فحص دستوريه القوانين
بعد أن توصلنا إلى انه ليس أمام القاضي الجزائري إلا أن يقرر اختصاصه برقـابة دستورية القوانين، لاندراج ذلك ضمن وظيفته الطبيعية المتمثلة في تطبيق القانون على النزاعات المروضة أمامه، فإن تم الدفع أمامه بمسألة الدستورية ولم يتمسك باختصاصه بالرد عليها فإنه يكون منكرا للعدالة أو مخلا بحقوق الدفاع، وبالطبع فإن القاضي لا ينتظر أن يثير المتقاضين مخالفة القانون المراد تطبيقه على النزاع للدستور، بل عليه إثارته تلقائيا فكل المسائل المتعلقة بانسجام القوانين وخضوع لدنى منها للأعلى وسمو الدساتير هي من النظام العام، لاندراجها ضمن قواعد المشروعية الحامية للحقوق والحريات. ومادام أن القاضي قد يصل لكون القانون غير دستوري، وبالتالي فالقاضي يحكم بذلك فما هي أثار هذا الحكم؟ وهل يمكن للقاضي تطبيق النصوص الدستورية مباشرة للفصل في النزاع ؟ وبالتالي هل يطبقها ويفسرها مثلا يفعل مع النصوص التشريعية العادية ؟
إن الحكم الصادر بعدم دستورية قانون ما يترتب عليه استبعاده عن حكم النزاع (الفرع الأول) وإمكانية التطبيق المباشر للنص الدستوري من اجل الفصل في النزاع (الفرع الثاني).
الفرع الأول
استبعاد القانون المخالف للدستور عن حكم النزاع
يفرض مبدأ تدرج القواعد القانونية أنه إذا كان القانون مخالفا للدستور كان باطلا، وكان على القاضي أن يتمتع عن تطبيقه طالما كان مخالفا للقاعـدة الدستورية من الناحية الشكـلية أو الموضوعية، وهذا هو الفارق بين هذا النوع من الرقابة القضائية أي الرقابة عن طريق الدفع أو الامتناع والرقابة عن طريق الدعوى، التي قد تصل نتيجتها إلى أحد إلغاء القانون غير الدستوري، وهو ما يعد بحق تدخلا في المجال المخصص للسلطة التشريعية، ولذلك لم تلق إقبالا ،ولا لا تمارس إلا بنص في الدستور يقررها، عكس رقابة الامتناع التي لاقت اهتماما واسعا، فهي تمارس بدون نص لاندراجها ضمن وظيفة القضاء في تطبيق القانون، ولا تعد خرقا لمبدأ الفصل يبين السلطات.ولذلك فالقاضي الجزائري إذا تبين له مخالفة القانون للدستور لا يمكنه إلغاء القانون ولا وقف تنفيذه (أولا) بل عليه الامتناع عن تطبيقه بصدد ذلك النزاع فقط (ثانيا)
أولا : القاضي لا يلغي القانون المخالف للدستور:
هناك من الدول من كرست في دستورها الرقابة القضائية الدستورية للقوانين عن طريق الدعوى، إذ شكلت محكمة خاصة أو أعلى محكمة في البلاد ومنحتها الاختصاص بالحكم ببطلان القانون المخالف للدستور، وبالتالي إلغاء ذلك القانون وجعله في حكم العدم، ويكون لحكمها حجية في مواجهة الجميع بحيث لا يجوز الاستناد عليه في المستقبل( )، ومن الدول التي أخذت بهذا الأسلـوب الرقابي نجد تركيا، تشيكوسلوفاكيا، سويسرا، أسيا، النمسا وإيطاليا، ومن الدول العربية نجد مصر، سوريا، ليبيا والسودان، والحقيقة أن الإلغاء يعد تدخلا في عمل السلطة التشريعية، التي لها وحدها حق إلغاء التشريع، فالقضاء لا يختص بهذا الدور إلا بموجب نص خاص يمنحه هذا الاختصاص، وفي غياب مثل هذا النص لا يكون أمام القاضي الذي يعرض للرقابة على الدستورية المثارة أمامه بدفع إلا أن يقرر إما دستورية القانون وتطبيقه للفصل في النزاع ( )، أو عدم دستوريته واستبعاده من حكم ذلك النزاع. ونظر لاندراج هذا الأمر ضمن وظيفته في تطبيق القانون وتفسيره -كما تبين سابقا – فإن المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها تختص برقابة دستورية القوانين غير الدستورية، والفصل في النزاع من خلال القواعد القانونية الأخرىK وخلافا لذلك ، فقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى حد إلغاء القانون الذي تبين لها عدم دستوريته دون وجود نص يمنحها هذا الاختصاص وذلك في حكم لها سنة 1972 وهو القانون رقم 83 لسنة 69 المتعلق بإعادة تشكيل الهيئات القضائية والذي كان قد عزل استنادا له 169 قاضيا فيما يعرف بمذبحة القضاء( ).
ثانيا: إمكانية تطبيق ذات القانون في نزاعات أخرى:
خلافا للحكم الصادر بإلغاء القانون المخالف للدستور، والذي يتمتع بحجية مطلقة في مواجهة الكافة بالنسبة للأنظمة التي اعتمدت الرقابة الدستورية بطريق الدعوى، فإن الحكم الصادر بعدم دستورية قانون ما عند الفصل في الدفع المثار أمام القاضي أثناء فصله في النزاعات المعروضة عليه له حجية نسبية، بحيث يتوقف أثره على النزاع الذي تم إثارة الدفع بعدم الدستورية في إطاره، دون باقي النزاعات التي لا تنصرف حجية الحكم إليها، وبالتالي فلا حجية له على باقي القضاة، بل ولا على باقي النزاعات المعروضة على ذات القاضي، إذ أن حجيته نسبية تتوقف على النزاع المعروض على القاضي، فيمكنه في نزاع آخر أن يقرر دستورية ذلك القانون ويطبقه عليه، وهو ما قررته محكمة تلا- الجزئية- المصرية في جانفي 926 ( )إذ جاء فيه :"اتفق علماء القوانين الدستورية حتى الذين مذهبهم أن للمحاكم حق البحث في دستورية القوانين...أنهم مع اعترافهم بحق المحاكم في تقدير دستورية القوانين لا يخولونها حق إلغاء هذه القوانين غير الدستورية عملا بنظرية فصل السلطات بل كل ما للمحاكم هو أن تمتنع عن تنفيذ القانون لعدم دستوريته، وبدون أن يغير ذلك من قيام القانون المذكور واحتمال أن تحكم محاكم أخرى بدستوريته" فالحكم في الدفع بعدم الدستورية أيا كانت طبيعته غير ملزم لأية محكمة أخرى، ولا حتى لنفس المحكمة التي أصدرته، وهو ما يطلق عليه الفقه (نسبية الأحكام الصادرة في الدفوع بعدم الدستورية) ( ) وبالتالي فالقانون قد يعتبر في آن واحد دستوريا وتطبقه بعض المحاكم، وغير دستوري تمتنع عن تطبيقه محاكم أخرى، وهذه إحدى الانتقادات الموجهة للرقابة الدستورية بطريق الدفع، إذ أن نسبية الأحكام الصادرة في هذا الإطار، قد تخلق جوا من عدم الثقة في أحكام القضاء وعدم استقرار المراكز القانونية، لكن هذا المأخذ يصدق أيضا بصدد أي مسألة يفصل فيها القاضي نظرا للحجية النسبية لأحكام القضاء، وهو ما ينتج عنه – بل وقع فعلا – إمكانية اختلاف هذه الأحكام بصدد نفس المسألة بل نفس القاضي قد يصدر حكمين متناقضين في نزاعين لهما نفس الموضوع والسبب، فهذا المأخذ لا يجوز أن يوجه إلى بسط القضاء رقابته على دستورية القوانين، بل بالنسبة لكل أحكام القضاء، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى تناقض القضاء بمختلف درجاته حتى المحكمة العليا ومجلس الدولة، حول مسألة شهر عريضة الدعوى العقارية، فبعضهم مع إلزامية الشهر كقيد على طائفة من الدعاوى العقارية، والآخرون يرون خلاف ذلك، ونفس الشيء بالنسبة لدعاوى الحيازة والتقادم المكسب فالقضاء على خلاف شديد حوله.
وبعد هذا، فإن هذا الأخذ مردود عليه، لكون القانون أوجد آلية الغرف المجتمعة للمحكمة العليا ومجلس الدولة لتوحيد الاجتهاد القضائي، إذ يكون حكمها حينذاك ملزما لجميع الجهات القضائية .
الفرع الثاني
التزام القاضي بتطبيق النص الدستوري للفصل في النزاع
تقود النتيجة السابقة المتعلقة بضرورة استبعاد القانون المقضي بعدم دستوريته عن حكم النزاع، إلى تقرير نتيجة أخرى وهي ضرورة تطبيق الدستور للفصل في النزاع، فهذا مقتضى مبدأ تدرج القوانين، الذي يفرض على القضاء تطبيق القانون الأعلى في المرتبة عند تعارض التشريعات المختلفة في الدرجة في موضوع معين، فإذا تعارض مرسوم مع قانون وجب تطبيق القانون، وإذا تعارض القانون مع المعاهدات وجب تطبيق المعاهدة ،و بالمثل فإذا تعارض القانون أو المعاهدة مع الدستور وجب تطبيق الدستور، ومثل هذه النتيجة قد تبدو وطبيعته إذ اعتبرنا أن الدستور يندرج ضمن مفهوم القانون، وهو الرأي المتفق عليه فقها وقضاء وتشريعا، وبالطبع سيصنف ضمن القانون العام لا القانون الخاص، وهو ما يجعله يتعلق بالنظام العام،وبالتالي يجب مراعاته دائما تحت طائلة البطلان، لكن دون تجسيد هذه النتيجة مصاعب عدة تتعلق بمدى صلاحية النص الدستوري للتطبيق المباشر (أولا) ومدى اختصاص القاضي بتفسيره ووسائله في ذلك (ثانيا)
أولا: التطبيق المباشر للنص الدستوري:
لا شك أن اعتبار الدستور مصدرا للمشروعية باعتباره القانون الأساسي في الدولة، سيقود إلى اعتبار القواعد التي يتضمنها قواعد قانونية يتوجب على القاضي تطبيقها، ويختلف الوضع بين القاضي الجنائي (I)والقاضي العادي (II).
I-بالنسبة للقاضي الجزائي: إن القاضي الجزائري إذا تقرر لديه أن القانون الذي توبع به المتهم غير دستوري، عليه أن يحكم بالبراءة طبقا لمبدأ الشرعية، الذي يقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص تشريعي صادر عن البرلمان، وطالما قرر القاضي عدم دستوريته وامتنع عن تطبيقه، فإنه لم يبق لديه أساسا قانونيا للمتابعة، وتوجب عليه تبرئة المتهم( )، وهو ما كرسته محكمة النقض المصرية في حكم لها إذ حكمت ببراءة محافظ الجيزة الأسبق عبد الحميد حسن على سند من قضائها الذي امتنعت فيه عن تطبيق قانون الكسب غير المشروع، لقيام الإدانة فيه على قرائن افترضها المشرع من واقعة زيادة ثروة الموظف العام مع عجزه عن التدليل على أسباب هذه الزيادة، بما يخالف افتراض البراءة في المتهم الذي نص عليه الدستور( ).
ويضاف إلى ذلك، أن القاضي الجنائي يعتمد على النص الدستوري عند قيامه بتفسير النصوص الجزائية، حتى يكون مضمونها مطابقا للدستور، ولا يقتصر الأمر على مجرد تحقيق هذه المطابقة بل يتجاوزه إلى تحقيق مصداقية التفسير التي تعبر عن إرادة المشرع الواعية المتطورة، فالحقوق والحريات تستقي حمايتها من الدستور ذاته، وما التشريع إلا منظما لهذه الحماية، وعلى ذلك فمن المقرر أن القاضي حين يطبق النصوص التشريعية يجب عليه تفسيرها وفق للمعنى المطابق للدستور طالما أن نصوص التشريع تتسع لذلك( )، فإذا خلا نص تشريعي من ذكر ضمان أورده الدستور، فلا يفسر هذا الخلو بعيدا عن النص الدستوري بل يجب تطبيق نصوص الدستور مباشرة لتوفير هذا الضمان( )، والقاضي الجنائي يتعين عليه في تفسيره لنصوص التجريم التي استوحاها المشرع من الدستور، بالروح التي أملت على المشرع الدستوري حماية نوع من القيم الدستورية، التي اتخذها المشرع العادي محلا للتجريم، ذلك أن الدستور يقرر التجريم كأسلوب لحماية بعض الحقوق والحريات( )، إذ ينص في بعض نصوصه صراحة على تجريم الاعتداء على نوع من الحقوق والحريات أو غيرها من القيم الدستورية، من مثل المادة 25: "يعاقب القانون على المخالفات المرتكبة ضد الحقوق والحريات وعلى كل ما يمس سلامة الإنسان البد نية والمعنوية " ففي مثل هذه الحالة يستعين القاضي- كما سبق الذكر- في تفسير نصوص التجريم بهذه النصوص الدستورية.
II-بالنسبة للقاضي العادي: والذي عليه التزام بالفصل في النزاع وإلا كان منكرا للعدالة،وطالما انه استبعد القانون عن حكم النزاع فماذا سيطبق؟
بالطبع إنه سيطبق أحكام الدستور باعتبار كونها قواعد قانونية ملزمة، ولكن هل أحكام الدستور صالحة للتطبيق المباشر من طرف القاضي للفصل في النزاعات المعروضة أمامه؟
يجب التمييز في هذا الصدد بين نوعين من القواعد الدستورية، يتمثل النوع الأول في النصوص الدستورية التي تقرر قاعدة قانونية تصلح للتطبيق المباشر، وهي النصوص التي تقرر حقوقا مباشرة للأفراد، مما يجعلها تصلح أساسا للفصل في النزاع المعروض على القاضي، ففي هذه الحالة لا يكون تطبيق النص الدستوري معلقا على نص قانوني أو تنظيمي يكفل تطبيقه ،ومن ذلك نص المادة 17 من الدستور التي تنص على:"الملكية العامة هي ملك المجموعة الوطنية وتشمل باطن الأرض والمناجم والمقالع والموارد الطبيعية للطاقة والثروات المعدنية الطبيعية والحية في مختلف مناطق الأملاك الوطنية البحرية والمياه والغابات كما تشمل النقل بالسكك الحديدية والنقل البحري والجوي والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية وأملاكا أخرى محددة في القانون" فإذا تعلق النزاع بواحد من الأملاك العامة المذكورة في نص هذه المادة فإن القاضي بغض النظر عن القانون أو التنظيمات، سوف يمكنه اعتماد نص هذه المادة مباشرة للحكم بمقتضاه، وإبطال كل تصرف يخالف الطبيعة العامة لهذه الأملاك، بحيث لا يجوز التصرف فيها ولا تملكها بالتنازل عنها أو بالتقادم ولا ترتيب أي حق عيني عليها. ونص المادة 38/ 3 :" لا يجوز حجر أي مطبوع أو تسجيل أو أية وسيلة أخرى من وسائل التبليغ و الإعلام إلا بمقتضى أمر قضائي" فهذه المادة تصلح أساسا للفصل في النزاع المتعلق بقيام الإدارة بحجر أيا من الأشياء المذكورة فيها، بحيث يبطل القاضي ذلك الحجر طالما تم بدون أمر قضائي.ونص المادة 143 : " ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية " فيعتمد القضاء على هذه المادة لتقرير اختصاصه دون حاجة إلى نص قانوني آخر، وغير ذلك من النصوص الدستورية التي يطبقها القاضي مباشرة للفصل في النزاع لكونها تقرر حقوقا أو حريات للأفراد وجاءت واضحة قابلة للتطبيق ولم تعلق على قانون أو تنظيم لتطبيقها. وبالمثل فإنه يحق للمتقاضين حينئذ تأسيس طلباتهم ود فوعهم مباشرة على نص أو مبدأ دستوري، إذا كان هذا الأخير هو مصدر الحق المطالب به ( ).
وأما النوع الثاني فهو النصوص الدستورية التي لا يمكن تطبيقها إلا بعد صدور تشريع أو تنظيم يكفل لها القابلية للتطبيق، ففي هذه الحالة يلتزم القاضي بالفصل في النزاع بالرجوع لمصادر القانون الأخرى، التي منها المبادئ العامة للقانون حيث قد يستخلصها من ديباجة الدستور ذاته أو من المصادر المشار إليها في نصوصه، كمبادئ التشريعية الإسلامية والمعاهدات الدولية، إضافة إلى ما ذكرته المادة الأولى من القانون المدني كالعرف ومبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، إذ في هذه الحالة يكون القاضي أمام حالة انعدام التشريع، وهو ما يجعله يلجأ إلى مصادر القانون الأخرى، ومثال ذلك تلك النصوص الدستورية التي تحيل على القانون أو التنظيم مباشرة كنص المادة 38/2 :"حقوق المؤلف يحميها القانون" و نص المادة 3/3:" يحدد القانون شروط وكيفيات إنشاء الجمعيات" ففي هذه النصوص الدستورية ومثيلاتها، يكتفي الدستور بوضع المبدأ محيلا للقانون لتنظيمه،وبالتالي فلا تصلح مثل هذه النصوص للتطبيق المباشر، ولذلك يلجأ القاضي حينئذ للمصادر الأخرى للقواعد القانونية حسب التدرج المشار إليه في الفصل الأول.
ثانيا: سلطة القاضي في تفسير النص الدستوري:
لا شك أن تفسير القواعد القانونية لتحديد مدلولها الذي يتبادر من ألفاظها أو فحواها هو الخطوة الأولى نحو تطبيق هذه القواعد على الوقائع التي تحكمها تطبيقا صحيحا عادلا( ).والقواعد الدستورية طالما كانت قواعد قانونية فإنها لا تحيا بمعزل عن القواعد القانونية الأخرى، بمعنى أن جوهر القواعد الدستورية وغاياتها لا يتم التعرف عليها بعيدا عن النظريات القانونية التي تنمو وتزدهر في نطاق فروع القانون الأخرى، طالما يوجد لم يوجد تعارض بين نتائج هذه النظريات مع جوهر القاعدة الدستورية وغايات القانون الدستوري، ومفاد ذلك أنه لا تعارض بين قواعد تفسير القانون بوجه عام وقواعد تفسير القانوني الدستوري بوجه خاص، فكافة نظريات وقواعد التفسير تنطبق في المجال الدستوري ، وإن كان هذا لا يتعارض مع وجود قواعد أو نظريات خاصة بالقانون الدستوري ، ومنها قواعد التفسير، ومعنى ذلك أن تفسير القانون الدستوري لا يثير أي إشكالية فالقاضي يختص به مثلما يختص بتفسير أي قاعدة قانونية أخرى( )، ويتبع في ذلك نفس قواعد ونظريات التفسير التي يتبعها بصدد تفسير أي قاعدة أخرى، ولكن نظرا لكون مسألة تفسير القواعد الدستورية لها علاقة بمسألة بسط رقابة القاضي على دستورية القوانين، فإنها خلافا للقواعد العامة في التفسير تثير بعض الحذر إذ لن تكون يد القاضي طليقة هكذا بحيث يستطيع أن يقرر بمحض اجتهاده ما إذا كان التشريع متوائما مع الدستور أو متعارض معه، بل لا بد من رعاية قواعد ثابتة وضوابط أكيدة تضمن حسن التزامه لدائرته، وتكفل سداد خطوه، ولذلك يثور التساؤل هل للقاضي أن يتفحص الدستور تفحصا يدخله اجتهادا كبيرا بحيث يستطيع تحكيم المصادر الدستورية الأخرى غير الوثيقة الدستورية كالعرف الدستوري ؟ أم يقتصر على مجرد فهم النصوص؟ وبصيغة أخرى هل يستطيع القاضي مراقبة التشريع من حيث مخالفته لعبارة النص الدستوري فقط؟ أم يستطيع كذلك مراقبته حتى لو خالف روح تلك النصوص أو خالف عرفا دستوريا أو مبدأ عاما غير مكتوب؟
من المسلم به في النظم التي تجير رقابة دستورية القوانين أن للقاضي مراقبة نص التشريع، من حيث مخالفته لعبارة نص الدستور، ولكن يختلف بعد ذلك في ما إذا كان يمكن مراقبة مخالفة التشريع لروح الدستور ومبادئه العامة المستقاة من ديباجته أم لا، فذهب قول إلى الجواز حتى في هذه الحال استنادا إلى الانحراف الذي يحتمل أن يقع فيه المشرع، ولكن دون إعمال هذا الرأي مصاعب جمة تظهر من خلال دراسة موضوع التفسير القضائي للنصوص الدستورية ( ).
لا شك أن القاضي يختص بتفسير النصوص الدستورية ما دام هو المختص بتطبيقها أو معاينة مدى مطابقة التشريع لها، ومما يؤكد ذلك أن الدستور سكت عن تحديد جهة محددة لتفسير النصوص الدستورية. على أنه رغم كون القواعد الدستورية هي قواعد قانونية فإنه قد تختلف طريقة تفسيرها عن طرق الفقه المعتادة لتفسير القواعد القانونية الأخرى في البحث عن النوايا والجري وراء البواعث والرجوع للأعمال التحضيرية مثلا، بل ينبغي أن تستهدف تفسير النصوص الدستورية اعتبارات سياسية وأخرى اجتماعية واقتصادية في ظل المصلحة العليا للأمة ، لأن الدستور وثيقة لتنظيم كل هذا فلا يكيفن القاضي النصوص الدستورية بمعاييره وضوابطه المعتادة في تفسير النصوص الأخرى، بل يجب عليه إستيحاء أفكار وضوابط مختلفة كثيرا وان يستصحبها دائما بما لا يجعل الدستور أداة جامدة معطلة والأمة تتطور، أو يجعله آلة صماء لا تجاري الأوضاع الجديدة و أهداف الأمة، وهذا معناه انه على القاضي أن لا يفرض سلطانه على المشرع تحت ستار دستورية القوانين فتصير الدستورية هذه وسيلة لتسلط القضاة على المشرع ذاته. وهذا معناه أن تفسير الدستور يختلف عن التفاسير الأخرى، لأنه وإن كان طائفة نصوص قانونية إلا أن تطبيقها الكثير ومرتعها الخصيب هو البيئة البرلمانية ورئيس الدولة، فهم الذين يتعاملون معه ويضطرون لمواجهة مشكلاته كثيرا ويصدرون التشريعات وفق أحكامه، بينما يقتصر القاضي على فحص دستورية القانون إذا ما أثير أمامه دفعا بعدم الدستورية فإنه سيتولى تفسير النصوص الدستورية المثار مخالفة القانون لها، ومما يفرض على القاضي أن لا يتوسع في التفسير والانطلاقة فيه، وان لا ينصب نفسه وصيا حقيقيا على المشرع لا مجرد حام لحقوق الأفراد وحرياتهم المكفولة دستوريا، فالقضاء وإن كان حقا حامي الحريات والحقوق فإنه ليس خصما للمشرع، ولا يجوز له أن يتولى تفسير النصوص الدستورية بما يسمو به على حقيقة وضعه ويعيد النظر في العلاقة بين السلطات العامة المبنية على الفصل والتعاون وليس الخضوع والتبعية .
وعلى هذا فإن القانون يكون غير دستوري إذا ما خالف نصا في الدستور أو مقتضى نص أو خالف المبادئ العامة المستقاة من ذات النصوص كذلك، وهنا ينبغي أن نحدد المقصود بروح الدستور( ) لأن الإطلاق في استعمال كلمة روح هذه سوف تؤدي إلى توسع كبير وغير مقبول . إن المقصود من روح الدستور هو المعاني المستقاة من دلالات المنطوق، واستلهام هذه الدلالات ذاتها في استخلاص المبادئ العامة للدستور لفهم نصوصه مجتمعة ومرتبطة لا مجزئة، أما الدلالات الأخرى كدلالة الاقتضاء ودلالة المقابلة ودلالة الإشارة والتي يراد بها استبطان مكنونات النص وخفياته فإنها قد تقود على أمور غير مقبولة .
المبحث الثاني
الرقابة القضائية على تدرج القواعد القانونية الأخرى
إنه لا معنى لما سبق تقريره من سمو القواعد الاتفاقية الدولية على القانون أو سمو القانون على اللوائح طالما لم توجد آليات تكفل هذا الترتيب، وتحرس قواعد المشروعية، واستنادا على ذلك يتفق الفقهاء على كون الرقابة القضائية على مدى احترام هذا التدرج أمر لازم وعدوه إحدى عناصر وضمانات دولة القانون، ولذلك فإنه لا مناص أمام القضاء الجزائري إلا أن يتمسك باختصاصه الرقابي على مدى خضوع القواعد الأدنى للقواعد الأعلى، بأن يبسط رقابته على اتفاقية القواعد التشريعية واللائحية (المطلب الأول) وكذلك على مشروعية القواعد اللائحية(المطلب الثاني) .
المطلب الأول
الرقابة القضائية على اتفاقية القواعد التشريعية واللائحية
ترتيبا على القيمة القانونية للقواعد الاتفاقية الدولية وسموها على القواعد التشريعية طبقا لمادة 132 من دستور 1996، فإن هذه القواعد الدولية تكون واجبة التطبيق أمام القضاء الداخلي متى تم التصديق عليها وفق للشروط والإجراءات الدستورية، وهو ما ذهب إليه المجلس الدستوري الجزائري في قراره الأول لسنة 1989 ( ) إذ جاء في إحدى حيثياته :" ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني وتكتسب بمقتضى المادة 123 من الدستور – لسنة 1989 والمقابلة للمادة 132 من دستور 1996 – سلطة السمو على القوانين وتخول كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية " وهو ما استجاب له القضاء المقارن – وخصوصا الفرنسي ( )– وبعده القضاء الجزائري إذ اعتمد على المعاهدات كمصدر للمشروعية وقام بتطبيقها واستبعد القواعد التشريعية أو اللائحية الداخلية التي جاءت متعارضة مع تلك المعاهدات، ولكن هذا الاجتهاد القضائي
مازال محل جدل وتردد إن في ساحة الفقه أو القضاء حول اختصاص القضاء الداخلي برقابة مطابقة القانون للمعاهدات (الفرع الأول) وسلطات القضاء في تكريس سمو المعاهدات (الفرع الثاني) وطرق حل الإشكاليات التي تثار أمام القضاء في هذا الصدد (الفرع الثالث) .

الفرع الأول
تكريس اختصاص القضاء برقابة اتفاقية القانون
إن تحقيق سمو المعاهدات على القانون،وبالتالي عدم مخالفة القوانين واللوائح للمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر وفق الشروط و الإجراءات الدستورية، يفرض وجود نظام رقابي يكفل مطابقة القوانين الداخلية لتلك المعاهدات، فما هي الجهة المختصة بهذه الرقابة ؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تفرض تحديد طبيعة العيب الذي يلحق القانون أو اللوائح إذا جاءت مخالفة للقواعد الاتفاقية الدولية والذي يسميه الفقه بعيب عدم الاتفاقية( ) le vice d l’inconditionnalité هل هو عيب عدم الدستورية أم عيب عدم المشروعية؟
بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي الفرنسي باعتباره السباق في هذا المجال فإن الملاحظة التي نكتشفها هي أن موقفه كان يكتنفه الغموض إلى غاية صدور قرار: Nicolo الشهير في سنة 1989 والذي اعترف فيه مجلس الدولة الفرنسي بدوره في رقابة احترام سمو المعاهدات على القوانين، فبصدد الطعن الذي رفعه السيد Nicolo واستند فيه إلى مخالفة القانون الداخلي الفرنسي للاتفاقية المؤسسة للإتحاد الأوربي ، واجه مجلس الدولة إشكالية من حيث تسبيب الحكم فهل يستبعد الوجه المثار أي لا يفحص تماشي القانون مع اتفاقية روما مثل ما ذهب إليه في اجتهاده السابق؟ أم يغير اجتهاده ويفصل في هذا الدفع؟ كان الرأي الذي اقترحه مفوض الحكومةFrydman هو أن يراجع المجلس قضاءه ومما قال :
« En considérant que cette loi n’est applicable que parce qu‘elle est précisent conforme a ce traité »( )
وهو ما فعله مجلس الدولة بالفعل، إذ قضى بأن القانون المؤرخ في 7/7/1977 المتعلق بالانتخابات يطبق لعدم تعارضه مع اتفاقية روما، وكان هذا قرارا مبدئيا، وشكل انقلابا قضائيا لكونه أول قرار ينظر فيه المجلس في مدى تطابق القانون الداخلي مع معاهدة سابقة، وفتح الاحتمال أمام إمكانية استبعاده إذا كان مخالفا لاتفاقية نافذة ولو كانت سابقة على القانون، لقد ألقى هذا القضاء بعبء كبير على القاضي الإداري ذلك أن سمو المعاهدات يستمد أساسه من نص دستوري، وهو ما قد يؤدي إلى فحص مسائل دستورية، حال كون المستقر عليه في قضاء مجلس الدولة انه غير مختص بذلك، ولهذا كان مجلس الدولة يرفض رقابة مطابقة القانون اللاحق لمعاهدة سابقة، لكن بمنسابة قضية Nicolo رأى المجلس بأن تهربه من مواجهة الموقف سيؤدي إلى شل تطبيق نص المادة 55 من الدستور التي تكرس سمو المعاهدات على القوانين، لذلك كان مضطرا إلى استبعاد القوانين اللاحقة التي تخالف معاهدة نافذة متخذا موقفا مشابها لموقف استقر عليه القضاء العادي منذ 1931 في قضية Matter( ) ومسايرا للدعوى غير المباشرة للمجلس الدستوري الذي أعلن عدم اختصاصه بالموضوع إذ صرح في قراره( ) رقم 74/54 المؤرخ في 15/01/1975 بأن قانونا متعارضا مع المعاهدة لا يعني انه مخالف للدستور، وبذلك استبعد الاتفاقيات من بين القواعد المرجعية للرقابة الدستورية، وقد أسس المجلس الدستوري موقفه هذا على أن قراراته المتعلقة بالرقابة تحوز طابعا مطلقا ونهائيا بينما سمو المعاهدات على القوانين المكرس بالمادة 55 من الدستور يعد ذا طابع نسبي ومحدود، إضافة إلى أن تطبيقه معلق على شرط المعاملة بالمثل .
إن موقف مجلس الدولة في قضية Nicolo قد أثار نقاشات حادة خاصة في ما يتعلق بالنتائج الناجمة عن هذا الاتجاه الجديد ، فإعطاء نص المادة 55 امتدادها الطبيعي من حيث التطبيق يؤدي إلى خرق نص مادة دستورية أخرى وهي المادة 21 وذلك من خلال التعديل غير المباشر لإلتزمات السلطة التنفيذية تجاه القانون،فيكون مجلس الدولة أعطى الأولوية لمبدأ تدرج القوانين على مبدأ تدرج السلطات( )
"Le juge administratif fait prévaloir le principe de hiérarchie des normes sur la hiérarchie des organes normateurs , il semble même établi une hiérarchie entre différentes normes constitutionnelles au profit de l’article 55 de la continuation" ( )
وبعد عرض الموقف الفرنسي، يثار التساؤل عن الجهة التي تضمن احترام القوانين واللوائح للمعاهدات في الجزائر في ظل دستور 1996 ؟
لعل أول ما يبرز في هذا المجال هو موقف المجلس الدستوري الجزائري في قراره رقم 01 لسنة 1989 والمتعلق بدستورية المادة 86 من قانون الانتخابات لسنة 1989 والتي تحدد الشروط الواجبة في المترشحين لانتخابات المجلس الشعبي الوطني، ورغم كون إخطار المجلس كان يستهدف مدى مطابقة المادة 86 لقواعد الدستور فإنه لم يكتفي بذلك إذ أعلن عدم مطابقة المادة المذكورة للمادتين 27 و 47 من الدستور، وأضاف تبريرا إضافيا يتعلق بعدم مطابقة هذه المادة مع اتفاقيات دولية صادقت عليها الجزائر، ومما جاء فيه:" ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني وتكتسب بمقتضى المادة 123 من الدستور - لسنة 1989 و تقابل المادة 132 من دستور 1996- سلطة السمو على القوانين وتخول كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية" و بعد أن قرر المجلس أن عهدي الأمم المتحدة لسنة 1966 والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان " تمنع منعا صريحا كل تمييز مهما كان نوعه " وتأسيسا على ذلك نطق المجلس بعدم دستورية المادة 86 من قانون الانتخابات، فالمجلس الدستوري قام بمراقبة دستورية قانون الانتخابات ليس فقط بالنظر على الدستور وإنما أيضا على ضوء المعاهدات الدولية التي أبرمتها الجزائر.
وهذا الموقف يقودنا إلى النتائج التالية :
-1إقحام المعاهدات في الكتلة الدستورية، وهو ما يجعل رقابة المطابقة بين القوانين والمعاهدات من اختصاص المجلس الدستوري .
-2دعوة الجهات القضائية للاضطلاع بصلاحية إعمال مبدأ أولوية تطبيق المعاهدات على القوانين في حالة التعارض، وذلك من خلال السماح للموطنين الجزائريين بالاحتجاج بأحكامها أمام القضاء الوطني، وبالتأكيد لم يكن قصد المجلس الدستوري تخويل هذا الحق للمواطن الجزائري وحده دون الأجانب ، وإلا عد ذلك تمييزا قد يرتب المسؤولية الدولية للجزائر، ولكن سياق هذا القرار كان يتعلق بممارسة إحدى الحريات العامة المكفولة للمواطنين دون الأجانب.
ولا شك أن هذا القرار يثير التساؤل عن حجيته في ظل دستور 1996 ؟
إنه من خـلال الفصل الأول يتبين أن الكتلة الدستوريـة تتضمن الدستـور بديبـاجته ونصـوص مواده، إضافة إلى المبادئ العامة للقانون ذات القيمة الدستورية، أما القواعد الاتفاقية الدولية فهي تخضع للقواعد الدستورية كونها أقل منها من حيث المرتبة الإلزامية، فلا يمكن إدماجها في نفس الكتلة، ضف إلى ذلك أن المعاهـدات تخضع للرقابة على دستوريتها من طرف المجلس الدستوري، وأن إدماج المعاهدات ضمن الكتلة الدستورية سوف يفرض على المجلس الدستوري فحص مطابقة القوانين واللوائح المعروضة عليه لكل المعاهدات النافذة في الجزائر، وهو ما سيؤدي إلى شل أعمال المجلس الدستوري .
واستنادا إلى قرار المجلس الدستوري سالف الذكر، فإن المحكمة العليا كرست في عديد قراراتها اختصاصا برقابة مدى مطابقة القوانين الداخلية للمعاهدات النافذة بالجـزائر، ومن هـذه القرارات، القرار المؤرخ في 22/02/2000 ( )، والذي اعتمدت فيه المعاهدات كمصدر للشرعية الجنائية إذ قضت الغرفة الجزائية بصحة الحكم بمصادرة المبالغ المحجوزة والتي حصل عليها المتهمون من خلال بيع المخدرات، فاعتبرت المصادرة عقوبة مشروعة، نظرا للنص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية التي صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم : 95 /41 المؤرخ في 28 /01 /1995 وهذا رغم النص عليها في قانون الصحة رقم 85/05 الذي توبع المتهمون. والقرار الثاني صدر عن الغرفة المدنية للمحكمة العليا في 05/09/2001( ) والذي استبعدت فيه المحكمة العليا نص المادة 407 من قانون الإجراءات المدنية المتعلقة بالإكراه البدني لمخالفته لنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهو ما أكدته بقرار لا حق بتاريخ :11/12/2002.( ) فالمحكمة العليا تمسكت باختصاصها برقابة مدى مطابقة القوانين للاتفاقيات الدولية النافذة بالجزائر تلقائيا ووصلت لحد استبعاد القانون المعارض للاتفاقية، بل إلى حد التطبيق المباشر لنص من المعاهدة وفي الميدان الجزائي الذي يخضع لمبدأ الشرعية حسب المادة الأولى من قانون العقوبات.ولا شك أن مجلس الدولة سوف يمشي في نفس الطريق لو طرح عليه الأمر.
الفرع الثاني
سلطات القضاء في رقابة اتفاقية القانون
خلافا للقاضي العادي الذي لا يملك سوى استبعاد القانون أو اللائحة المخالفة للاتفاقيات، يملك القضاء الإداري عدة وسائل في إطار رقابته على اتفاقية القوانين واللوائح وذلك من خلال المنازعات المعروضة عليه، سوء في إطار رقابته الشرعية (أولا) أو المسؤولية (ثانيا) ولذلك سوف نركز على سلطات القاضي الإداري( ) .
أولا : سلطات القضاء الإدراي في إطار منازعات المشروعية :
ترى الأستاذة Etienne picard بأن أثار تصريح القاضي بمخالفة نص ما لاتفاقية دولية تختلف اعتبارا لأربعة عوامل هي طبيعية القاعدة (دولية أم لائحية)، شكل قـاعدة الداخليـة (قانون أم لائحة)، تاريخ سن هذه القاعدة الداخلية مقارنة بالمعاهدة ، موضوع الطعن أمام القاضي.
والجمع بين هذه العناصر يضع القاضي الإداري أمام عدة حالات :
الحالة الأولى: إذا تعلق الأمر بقرار إداري لا حق بمعاهدة دولية ، وتعارض معها ، فإن القاضي ملزم بإلغائه إذا كان الطعن فيه متعلقا بفحص المشروعية .
الحالة الثانية: إذا تعلق الأمر بقرار سابق على معاهدة دولية وكان متعارضا معها ، فإن هذه المعاهدة قد تؤدي إلى إلغائه ضمنا وقد لا تؤدي إلى ذلك ، فإذا كان القرار تنظيما فإنه يمكن للقاضي وقف سريانه طالما أن القاعدة الدولية كانت نافذة :
« Si l’acte est réglementaire il pour oit en effet n’être que supendu tant que la règle internationale resterait applicable dans l’ordre interne »
لكن القاضي ملزم بالتصريح بالإلغاء وإبطال كل المراسيم التنفيذية التي تصدر بصفة لاحقة للمعاهدة ، وتكون مخالفة لها.
الحالة الثالثة: إذا تعلق الأمر مخالفة قانون لمعاهدة فإن سلطة القاضي تبدو ضيقة، فإذا كان القانون سابقا للمعاهدة فلا يملك القاضي إلا معاينة الإلغاء، وذلك منذ إدماج القاعدة الدولية في النظام الداخلي، ومن ثم فمن واجب القاضي الإداري التصريح ببطلان كل المراسيم التنفيذية لهذه القوانين.
الحالة الرابعة: أما إذا صرح القاضي بطريقة غير عادية بسمو قاعدة دولية على تشريع نافذ، فلا يمكنه في أفضل الأحوال إلا أن يصرح بعدم إمكانية تطبيق هذا الأخير( ). ويبقى التساؤل قائما حول الحجية التي يتمتع بها هذا التصريح ؟
وبالتأكيد فإن أوجه الإلغاء أو عدم المشروعية هي نفسها المتعلقـة بمخالفة القـرارات للقوانين الداخلية، أي عيب عدم الاختصاص أو عيب الشكل والإجراءات أو عيب مخالفة القانون أو عيب السبب أو الانحراف بالسلطة، ومرد هذا التشابه هو تقارب القواعد الدولية مع القواعد الداخلية من حيث المحتوى.
ثانيا: سلطات القضاء الإداري في إطار منازعات المسؤولية:
ويختلف الوضع حسب حالتين، تتمثل الأولى في المسؤولية عن أعمال السلطة التشريعية (I) والثانية المسؤولية عن أعمال السلطة التنفيذية (II)
-Iالمسؤولية عن أعمال السلطة التشريعية: لقد صرح مجلس الدولة الفرنسي منذ قراره في قضية Driancout( ) أن كل حالة عدم مشروعية تشكل خطأ، فهل أن كل خرق من المشرع لأحكام اتفاقية ما يشكل خطأ يؤدي بالنتيجة إلى مسؤولية الدولة ؟
لقد تردد مجلس الدولة في الحسم في هذا الأمر، فلم يصرح بالمسؤولية المباشرة للدولة عن أعمال السلطة التشريعية، إلا في مجال فرق مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، كما فعل في قضية لافلورات( ) الشهيرة، وهي فرضية لا تنطبق إلا على حالات قليلة لخرق القواعد الدولية .
ومرد ذلك إلى كون القانون يمثل تعبيرا عن الإرادة العامة فاستفاد هذا الأخير (القانون) بنظـام تفضيلي، سيما على صعيد المسؤولية على حد تعبير Morange :
«la loi a longtemps bénéficie d’un régie juridique de foreux y compris en matière de la responsabilité »
إن نظام المسؤولية بدون خطأ عن أعمال السلطة التشريعية يبدو محدد الأفق ليس فقط بسبب قلة السوابق في هذا المجال فقط- 03 حالات حسب الأستاذ Michelet - ولكن بسبب الشروط الخاصة لإقامة هذه المسؤولية، والتي لا تتماشى مع اغلب حالات القوانين المخالفة للاتفاقيات، وخاصة فيما يتعلق بشروط الضرر، الذي يستوجب القضاء أن يكون جسيما جسامة غير عادية، وذا خطورة استثنائية préjudice caractère anormal et spéciale وعلى ذلك فإن مسؤولية الدولية عن القوانين المخالفة للاتفاقيات لا تجد لها أساسا في نظام المسؤولية الإدارية، بل تبدو فقط نتيجة منطقية أفرزها قرار Nicolo.
ومن هنا نخلص إلى أن الأساس الحالي للمسؤولية عن طريق مبدأ سمو القواعد الاتفاقية الدولية إنما يتمثل في المسؤولية الخطئية عن قواعد تنظيمية غير مشروعة la responsabilité pour faute
du fait de l’application d’un règlement ( )
-IIالمسؤولية عن إعمال السلطة التنفيذية: وهي المسؤولية التي كرسها مجلس الدولة الفرنسي في قراره المبدئي الصادر سنة 1992 في قضية ( Société Arizona Tobacco produits ) حيث
رتب المجلس مسؤولية الإدارة على أساس الضرر الناجم عن المرسوم التطبيقي الصادر في 31/12/1976 الذي يحدد أسعار بيع التبغ بطريقة تتعارض مع تعليمة دولية صادرة في 19/12/1972، علما أن هذا المرسوم إنما صدر مجرد تطبيق لقانون داخلي تضمن أحكاما تتعارض مع الاتفاقية، وعليه يظهر أن القاضي قد أجبر على تحليل هذا الضرر بأنه ناتج عن المرسوم بينما عدم مشروعية هذا الأخير إنما هي نتيجة لتعارض القانون الذي سعى إلى تطبيقه مع تلك التعليمة الدولية .
نخلص إلى القول أن مسؤولية الدولة عن القوانين التي تخرق المعاهدات لا تجد أساسها في المبادئ التقليدية للمسؤولية الإدارية ، التي بات من الواجب توسيع إطارها لتحتوي التغيرات الحديثة للعلاقات الدولية المتجسدة باتفاقيات دولية في شتى المجالات القانونية، ولعله يصلح في هذا الإطار ما قررته محكمة العدل للمجموعة الأوربية في قضية فرانكوفيتش، فقد اعتبرت أن قانون الاتحاد الأوربي يفرض على الدول الأعضاء إصلاح الأضرار اللاحقة بالأفراد نتيجة خرق القانون الاتحادي، وذلك من خلال تبني نظام تعويض خاص بكل دولة ، شريطة أن يكون هذا النظام فعالا ، إذا جاء في حيثياته:
« C’est dans le cadre du droit national de la responsabilité qu’il incombe l’état de réparer les conséquences du préjudice cause » ( )
وبعد أن تم عرض عصارة اجتهاد القضاء الإداري الفرنسي، فإنه يمكن القول أنها تصلح للاستعانة بها من طرف القضاء الإداري الجزائري فيما قد يطرح عليه من نزاعات، خصوصا في ظل تزايد عدد المعاهدات المصادق عليها من طرف الدولة الجزائرية، فتسمح له بأن يكون ضمانة حقيقية لحماية مبدأ التدرج القانوني الذي يعد احد دعائم دولة القانون.
الفرع الثالث
الإشكاليات التي تثار أمام القاضي بصدد رقابة اتفاقية القانون
إنه من السهل أن نقول بان المعاهدة تصير قانونا بتمام الإجراءات المقررة لحصولها على ذات قوة القانون، فتتداعى بذلك النتائج وتحل المشكلة التي يثيرها الفقه بصدد اختلاف الطبيعة ما بين المعاهدات والقوانين الداخلية، ولكن الحقيقة غير ذلك فإنشـاء القـانون شيء واستعـارة قوته شيء أخر، ولا يستوي في النهاية وبإطلاق ما أنشأته إرادة دولة واحدة بنتاج توافق إرادات الدول، والنص الدستوري نفسه لم يقل أن المعاهدة قانونا، وإنما فقط واستجابة لطبيعتها الخاصة منحها قوته تتقدم بها في التطبيق فوق القانون الصادر عن البرلمان في تدرج القواعد القانونية، وعندما تسمو المعاهدة على القانون لا يكون لها ذلك إلا بنص في الدستور، وما كانت المعاهدة لتحتاجه لو كانت بطبيعة ذاتية تغنيها عنه، وما اشترطه الدستور من إجراءات تدخل بها المعاهدة في النظام الداخلي هو إعلان بان قدومها هو بإذن السيادة الوطنية وليس مفروضا لمقتضى خضوع مباشر للقواعد الدولية، يؤكد أيضا أن المعاهدة تخالف في النهاية القانون الداخلي، ولا شك أن هذه الطبيعة المتميزة للمعاهدات تثير أمام القاضي وهو يتعامل معها إشكاليات تتميز بخصوصياتها عن الإشكاليات التقليدية التي كان يواجهها القضاء، وهو ما يفرض على القاضي لعب ادوار جديدة لحل تلك الإشكاليات، والتي قد تتعلق بمسائل خارجة عن مضمون المعاهدة (أولا) أو متعلقة بمضمونها (ثانيا) .
أولا: الإشكاليات غير المتعلقة بمضمون المعاهدة:
يواجه القاضي أثناء تعامله مع المعاهدات عدة مسائل تتعلق بمدى إلزامية تطبيقها ( )، وتتمثل في :
- إشكالية إجراءات التصديق التي فرض الدستور توفرها كشروط لصيرورة المعاهدة أقوى من القانون، وبالتالي فهل للقضاء الولاية لمراقبة مرسوم المصادقة؟ هل جاء صحيحا أي تم احترام الإجراءات الدستورية السابقة المتمثلة في الموافقة البرلمانية الصريحة أو عرضها على المجلس الدستوري وقراره أنها مطابقة للدستور؟
- وهناك إشكالية النشر، فهل يشترط لنفاذ المعاهدة أم لا ؟ و هي الإشكالية التي سبق عرضها سابقا.
- وإشكالية التحفظ، فمن حق الدولة أثناء إعلان التزامها بالمعاهدة أن تقرر بإرادتها المنفردة تحديد آثار بعض البنود من المعاهدة أو استبعادها، فما هو دور القاضي حيال هذا الوضع؟ ألا يعد ملزما به لكونه من أعمال السيادة؟ وإذا صدرت إعلانات تفسيرية في شكله لكنه في حقيقته تحفظ، فما دور القاضي هنا ؟
ثانيا: الإشكاليات المتعلقة بمضمون المعاهدة:
فإذا خلص القاضي من الإشكاليات والمصاعب سالفة الذكر واستطاع حلها، فإنه سيقف أمام إشكاليات أخرى تتعلق بمضمون المعاهدة وتتمثل في إشكالية التفسير(I) وإشكالية القابلية للتطبيق المباشر(II)
I- إشكالية التفسير( ): فهل يختص القاضي به أم لا؟ وكيف سيقوم بتفسير النص الاتفاقي الدولي؟
باعتبار أن الاتفاقيات تبرم من قبل السلطة التنفيذية، فقد اعتبر أنهـا الهـيئة الوحيدة المؤهلة لتفسيرها، وخوفا من التدخل في العلاقات الدولية بين السلطة التنفيذية والسلطات الأجنبية، حرص القاضي على إحالة مسألة التفسير إلى وزارة الشؤون الخارجية وكان ملزما به، وهو ما درج عليه القضاء الفرنسي التقليدي، لكن قضية Gisti ( ) كانت المناسبة التي تمسك فيها مجلس الدولة الفرنسي باختصاصه في تفسير النصوص الاتفاقية الدولية،حيث أعطى المجلس التفسير الذي رآه ملائما دون أن يرى نفسه ملزما بالتفسير الوزاري، وبقراره هذا أكد مجلس الدولة الفرنسي أن هناك مشكلة تفسير كانت قائمة في هذا الخصوص، وان المجلس قد سمح لنفسه بتقدير مدى صحة التفسير الوزاري، ليستخلص بالتبعية ما يراه هو نفسه من تفسير للنصوص محل النزاع ويبني قضاءه عليه، وانه تبعا لذلك يكون قد استقر مبدأ اختصاص القاضي الإداري بتفسير المعاهدات الدولية، ومعنى ذلك أن مسألة تفسير المعاهدات قد خرجت من طائفة أعمال السيادة وفقدت حصانتها.
وبالنسبة للقضاء الجزائري فالمحكمة العليا كانت لها مناسبة للتمسك باختصاصها بالتفسير، ويتعلق الأمر بالقرار المؤرخ في 11/12/2002 ( ) والذي يتعلق بطعن بالنقض في قرار وقع الإكراه البدني عليه لعدم وفائه بدين تجاري وأسس قضاة المجلس قرارهم على أن المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تتعلق بالحقوق المدنية فحسب، فقامت المحكمة العليا بتفسير نص المادة 11من الاتفاقية المذكورة، ومما جاء في القرار:
"وبعد الإطلاع على أحكام المادة 11 من الاتفاقية المذكورة أعلاه والتي جاء فيها ما يلي: (لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي) وتبعا لذلك أصبح من غير الجائز توقيع الإكراه البدني لعدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدي.
وحيث أن مصادر الالتزامات ، تنقسم إلى مصادر إرادية ومصادر غير إرادية ، وأصبح -ومنذ انضمام الجزائر إلى تلك الاتفاقية - غير جائز تنفيذ الالتزامات الإرادية - سواء كان مصدرها معاملة مدنية أو تجارية – عن طريق الإكراه البدني.
وحيث انه كما هو ثابت في وقائع القضية أن الالتزام المراد تنفيذه مصدره معاملة تجارية أي عقد تجاري.
وحيث أن المادة 11 المشار إليها أعلاه لا تميز بين الالتزام التعاقدي التجاري وغير التجاري، فيكفي أن يكون هناك التزام تعاقدي سواء كان موضوع هذا الالتزام معاملة مدنية أو تجارية، فيمتنع تنفيذ هذا الالتزام عن طريق الإكراه البدني ..."
II-إشكالية القابلية للتطبيق المباشر: فإذا خلص من مشكلة التفسير، واجهته مشكلة أخرى، وهي كيفية التعامل مع المعاهدة أي مدى إمكانية تطبيق نصوصها مباشرة؟ أم ينتظر صدور القوانين والتنظيمات الكفيلة بذلك؟
لقد كانت قضية Yeter Cinnar ( ) المناسبة لمجلس الدولة الفرنسي لتغيير اجتهاده بصدد مسألة التطبيق المباشر للمعاهـدات، إذ بدل الارتكـاز على معايـير عادة ما عرقلت مسألة التطبيق المباشر، وخصوصا المعيار الشخصي والمتمثل في البحث في نية الأطراف، بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية مثلا ، فقد انصب اهتمام مجلس الدولة على دراسة مضمون نص المعاهدة المطروح عليه تطبيقها، فاعتمد على المعيار الموضوعي، والمتمثل في دقة ووضوح هذا النص، والغرض منه هدف ملموس، وهي المعالجة القانونية التي أدت به إلى الفصـل بيـن نوعين مـن القـواعد الاتفاقية الدولية، فبعضها تطبق تطبيقا مباشرا، والأخرى لا يمكن تطبيقها مباشرة، فقرار سينار أعلن عن عهد قانوني وقضائي جديد في مجال التعامل المباشر مع المعاهدات الدولية.
ولعل الموقف القضائي الجزائري في القرارات الصادرة عن المحكمة العليا بغرفتيها المدنية والجزائية -سالفة الذكر- دليل آخر على أن القضاء صار متمسكا بأهليته للتطبيق المباشر لنصوص المعاهدات الدولية طالما كانت قابلة لذلك، دونما انتظار للقوانين أو التنظيمات الداخلية التي تجعلها نافذة .
المطلب الثاني
الرقابة القضائية على مشروعية القواعد اللائحية
تطبيقا لمبدأ المشروعية ومقتضياته، ومنها مبدأ تدرج القواعد القانونية، فإن أعمال السلطة التنفيذية -سواء منها الفردية أو اللائحية- تخضع وتتقيد بالقانون بمعناه الواسع ، وكل مخالفة لذلك تجعل عملها باطلا وقابلا للطعن فيه أمام القضاء، وعلى ذلك فإن اللوائح الصادرة عن السلطة التنفيذية – مهما كان نوعها والظروف التي صدرت فيها- تخضع للرقابة القضائية باعتبارها أعمالا إدارية، وتطبيقا للمادة 143 من الدستور "ينظر القضاء في الطعن قرارات السلطات الإدارية "
وقد أثبتت عملية الرقابة القضائية جدواها وفاعليتها في النظم القانونية المقارنة، حيث استطاع القضاء عن طريق صور وأنواع الرقابة القضائية التي بسطها على اللوائح أن يوفر ضمانات جدية وفعالة لحماية الشرعية وحريات الأفراد وحقوقهم في مواجهة السلطة التنفيذية، التي أجبرها القضاء على الخضوع للقانون واحترام مبدأ المشروعية، وتتخذ رقابة القضاء على اللوائح عدة صور حسب الجهة التي تتولاها، فقد تكون رقابة إلغاء من طرف القضاء الإداري ، وقد يختص بها القاضي العادي عن طريق الدفع بعدم الشرعية فيختص بها طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية ( ).
غير انه يتعين ملاحظة انه بصدد فحص مشروعية اللوائح بمطابقتها للقواعد الدستورية فإن ذلك وجها آخر للرقابة القضائية على مشروعية اللوائح، عمد إليها القاضي لتوسيع مساحة رقابته على أعمال السلطة التنفيذية، هذا إضافة إلى إنشائه نظرية المبادئ العامة للقانون لتوسيع سلطته الرقابية على تلك الأعمال.
ولذلك فقد تكون الرقابة القضائية على مشروعية اللوائح بواسطة دعوى الإلغاء (الفرع الأول) أو عن طريق الدفع بعدم الشرعية (الفرع الثاني) إضافة إلى الوسائل التي ابتدعها القاضي لتوسيع مجال رقابته عليها (الفرع الثالث).
الفــرع الأول
رقــابــة الإلـغـــاء
يختص بنظر هذه الدعوى القضاء الإداري فقط دون القضاء العادي، طبقا لنص المادة 01 من القانون 98/ 02 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتعلق بالمحاكم الإدارية التي تنص على انه" تنشأ محاكم إدارية كجهات قضائية للقانون العام في المادة الإدارية " والمواد 9 و10 و 11 من القانون العضوي 98 /01 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله والتي تجعله مختصا بالنظر في المنازعات المتعلقة بالطعـون بالإلغـاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطات المركزية والهيـئات العمومية الـوطنية والمنظـمات المهنية الوطنية، والطعون الخاصة بالتفسير ومدى شرعية القرارات التي تكون نزاعاتها من اختصاص مجلس الدولة، إضافة إلى كون جهة استئناف ونقض في أحكام وقرارات الجهات القضائية الإدارية، وكذا في قرارات مجلس المحاسبة، وعلى ذلك فيملك أي فرد أو هيئة الطعن في اللوائح إذا ما شابها عيبا من عيوب المشروعية كعدم الاختصاص أو عيب الشكل والإجـراءات أو مخالفة القوانين بمعناها الواسع أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو عيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف أو عيب السبب( ). والملاحظ من خلال الإطلاع على قرارات مجلس الدولة المنشورة في مجلة مجلس الدولة، أن مجلس الدولة يرتب جزاءات مختلفة على القرارات الإدارية المخالفة للمشروعية، ومرد ذلك هو درجة جسامة المخالفة ، فإن كانت لا تمثل خروجا كبيرا على مبدأ المشروعية كان القرار الإداري باطلا، أما إذا بلغت المخالفة حدا كبيرا من الجسامة كان القرار الإدراي معدوما ( )، فمثلا في القرار الإداري الفاصل في مسألة تدخل أصلا في اختصاص القضاء عده المجلس قرارا باطلا لتجاوزه السلطة، وفي القرار رقم 169417 الصادر بتاريخ 27/07/1998 انتهي مجلس الدولة إلى اعتبار القرار الإداري الصادر من جهة غير مختصة منعدما ، ونلاحظ في ذلك خلطا كبيرا إذ الصواب خلاف ذلك حسب المستقر عليه فقها وقضاء( ).
ويترتب على ذلك اختلاف الآثار المترتبة على الانعدام عن تلك المترتبة على البطلان، إذ أن تنفيذ القرار الإداري المنعدم يشكل اعتداء ماديا une voie de fait ، وهو ما يغير قواعد الاختصاص إذ يصبح القضاء الإستعجالي الإداري والعادي مختصين بالنظر فيه إضافة لقضـاء المـوضوع الإداري، وذلك لكون القرار المعدوم تنتفي فيه مواصفات العمل القانوني المستحق للحماية، ونظرا لكون الانعدام من النظام العام، فإنه يمكن إثارته في أي درجة للتقاضي، وتثيره المحكمة تلقائيا، وان هذا القرار لا يستفيد من الحصانة بعد انقضاء المدة القانونية لرفع دعوى الإلغاء أو السحب من طرف الإدارة، ضف إلى ذلك أن مبدأ فصل السلطات يمنع على القاضي الإداري توجيه أوامر للإدارة، بينما إذا ثبت أن عمل الإدارة يشكل خروجا جسميا على قواعد المشروعية، وبالتالي اعتباره منعدما وعدم استحقاقه للحماية القانونية، فان للقضاء توجيه أوامر للإدارة للكف عن كل ما من شانه أن يضع العمل المتخذ حيز التنفيذ( )، ففي القرار الصادر عن مجلس الدولة بتاريخ: 11/05/2004 ( ) بعد أن أثبت عدم مشروعية قرار الإدارة، وان تنفيذها المباشر إياه يمثل تعديا يمنح الاختصاص للقاضي الإستعجالي قام بإلزام الإدارة بوضع حد لفعل التحدي ومما جاء في هذا القرار:
"مما يجعلها فعلا قد قامت بفعل التعدي الذي هو من اختصاص القاضي الإستعجالي، وان الأمر بوضع حد لفعل التعدي لا يمس بأصل النزاع وحقوق الأطراف، لأن كل طرف له الحق في استعمال الإجراءات القانونية الأخرى سواء في الإلغاء أو التوقيف ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون فعل التعدي هو إجراء قانوني يسمح للإدارة أن تستعمله للإضرار بالموطنين.
مما يستوجب إثبات وجود فعل التعدي، وبالتالي القول باختصاص قاضي الاستعجال وإلغاء القرار المستأنف والتصدي من جديد بوضع حد لفعل التعدي " وقد قرر مجلس الدولة في هذا القرار" القضاء بإلغاء القرار المستأنف الصادر عن قسم الاستعجال للغرفة الإدارية ...والتصدي من جديد بإلزام البلدية بوضع حد لفعل التعدي ضد المستأنف ".
الفرع الثاني
الرقابة عن طريق الدفع بعدم الشرعية
يمكن الطعن ضد اللوائح غير الشرعية ولو تحصنت بفوات ميعاد الطعن ، وذلك عند صدور قرارات تنفيذية تطبيقا لها، إذا يمكن الطعن في هذه القرارات على أساس عدم شرعية اللائحة التي تعد مصدرا لها، فحينئذ يتصدى القضاء الإداري باعتباره مختصا بالمنازعات الإدارية المتعلقة بالقرارات التنفيذية اللائحية لفحص اللائحة باعتبارها مسألة فرعيةQuestion préalable ( )، فإذا ثبت له عدم شرعيتها ألغى القرار التنفيذي مع بقاء اللائحة .
وهناك صورة أخرى للدفع بعدم الشرعية، وذلك إذا ما خالف احد الأفراد لائحة يراها معيبة وقدم للمحكمة من اجل هذه المخالفة، فهنا قد يدفع هذا الفرد بعدم مشروعية اللائحة، فهل يعد الدفع في هذه الحالة مسألة أولية يفصل فيها القاضي بنفسه أي القاضي العادي؟ أم يعتبرها مسـالة خارجة عن اختصاصه لكونها مسألة مبدئية أو أوليةquestion préjudicielle فيوقف الدعوى ويحيل الأطراف على القاضي الإداري؟
وقد استقر الأمر في القضاء الفرنسي على اعتبار القضاء الجزائي مختصا بفحص شرعية اللوائح التي يراد تطبيقها على الدعاوى المنظورة أمامه، أما القاضي المـدني فإذا عرضت أمامه مسألـة مبدئية أو فرعية تتعلق بالدفع بعدم شرعية لائحة، فإنه يحيل طلب فحص الشرعية إلى القضاء الإدراي المختص، وأما في الجزائر فالمسألة تحتاج إلى مناقشة جدية، فمن جهة تمثل المحاكم الإدارية جهات القانون العام للمنازعات الإدراية، ومجلس الدولة يختص بكل منازعات الإلغاء والتفسير وفحص المشروعية لقرارات السلطات الإدراية المركزية والهيئات العمومية الوطنية، فمقتضى تمتع القضاء الإدراي بالولاية العامة في المنازعات أن يكون له دون غيره سلطة الفصل في المنازعات الإدراية مالم يوجد نص خاص بخلاف ذلك استثناء من هذه الولاية العامة، وعلى ذلك فإذا طرحت دعوى أمام جهة القضاء العادي، وكان الفصل في هذه الدعوى يستلزم أولا البت في مسألة تدخل بطبيعتها في طائفة المنازعات الإدراية، فإنه يتعين على القاضي، ما لم يكن هناك نص خاص يقتضي باختصاصه بالفصل في هذه المسألة، أن يوقف نظر الدعوى و إحالة هذه المسألة للقضاء الإداري ليفصل فيها بوصفها من المسائل المبدئية، على أن هذا المذهب لم يرق للغرفة المدنية للمحكمة العليا- ربما حتى لا تطيل الإجراءات وتثقل على المتقاضين - ففي قرارها المؤرخ في 09 /10 /2002 ( )استندت إلى مبدأ تدرج القوانين لاستبعاد مرسوم تنفيذي (لائحة تنفيذية) وإهماله لمخالفته القانون، ومما جاء فيه :
"حيث أن المادة 85 من المرسوم المتضمن إنشاء السجل العقاري يلزم المدعي بإشهار عريضة افتتاح الدعوى بالمحافظة العقارية وإلا كانت باطلة.
وحيث أن مثل هذا البطلان مطلق يتعين على المجلس إثارته تلقائيا .
وحيث ثابت من ملف الدعوى أن دعوى المستأنف عليهم الرامية إلى إلغاء عقد رسمي مشهر لم يتم إشهارها.
وحيث أن ما اتجه إليه قضاة الموضوع هو اتجاه خاطئ من أساسه ، ذلك انه بالرجوع إلى الأمر المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري المؤرخ في 12 نوفمبر 1975 لا ينص على إجراء شهر العريضة الافتتاحية بالمحافظة العقارية قبل قيدها بكتابة ضبط المحكمة ، ولا قانون الإجراءات المدنية.
حيث أن إجراء شهر العريضة الافتتاحية للدعوى قد استحدثه مرسوم 76/63 المؤرخ في 25 مارس 1976 الذي يتعلق بتأسيس السجل العقاري ولم ينص عليه كل من قانون الإجراءات المدنية والقانون المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري .
وبذلك يكون المرسوم المنوه إليه قد استحدث شرطا جديدا لصحة العريضة الافتتاحية لم يرد لا في قانون الإجراءات المدنية ولا القانون المتضمن إعداد مسح الأراضي العام ، ومن ثمة يوجد التعارض بين القانون والمرسوم المشار إليه.
وحيث انه طبقا لمبدأ تدرج القوانين الذي يقضي بأنه في حالة ما إذا وقع التعارض بين التشريع والتشريع الفرعي فإنه يطبق التشريع الأعلى ويطرح التشريع الأدنى .
وحيث أن قضاة الموضوع عندما طبقوا التشريع الفرعي وطرحوا التشريع الأعلى يكونون قد طبقوا ذلك المبدأ بالمفهوم العكسي " فهذا القرار استبعد المرسوم التنفيذي دون أن يتعرض مباشرة لشرعيته، إذ استبعده باعتباره قانونا فرعيا خالف قانونا عاديا فتطلب طبقا لمبدأ تدرج القوانين استبعاده.
وهذا الاتجاه هو تأكيد لقرار سابق لنفس الغرفة صدر بتاريخ 12/07/1995 ( ) والذي جاء فيه:
"كما أن عدم شهر الدعوى في المحافظة العقارية لا يترتب عليه أي بطلان إذ أن تطبيق المادتين 13 و14 من الأمر 75/74 المؤرخ في 12/11/1975 فقد أحال المشرع تطبيق هاتين المادتين على مرسوم.
وبناء على أحكام المادة 14 / 4 من الأمر المشار إليه أعلاه فقد صدر المرسوم المؤرخ في 25 /03/1976 رقم76 /63 الذي نص في المادة 86 منه على عدم قبول الدعوى إذا لم يتم إشهارها في المحافظة العقارية ، إذ أن اشتراط إشهار العريضة قبل ، تسجيلها لدى كتابة ضبط المحكمة يعد قيدا على رفع الدعوى قد استحدثه هذا المرسوم لكن المشرع قد نص على إجراءات رفع الدعوى وشروط قبولها أمام القضاء في قانون الإجراءات المدنية ولم ينص على هذا القيد بالنسبة للدعاوى العينية العقارية ومن ثمة يوجد تعارض بين أحكام قانون الإجـراءات المدنية وأحكـام هذا المرسوم، وتبعا لذلك فإنه إذا وقع التعارض بين التشريع العادي والتشريع الفرعي يطبق التشريع العادي .."
ففي هذا القرار فحصت المحكمة العليا المرسوم رقم 76/63 باعتباره جاء تطبيقا للمادة 14 من الأمر 75/74 فهو مرسوم تنفيذي أي لائحة تنفيذية، غرضها تقديم كيفيات تطبيق النص التشريعي بدون إضافة ولا تعديل ، إذ تعد حينذاك مخالفة لقواعد الاختصاص الدستورية، لكونها تدخلت في المجال المخصص للبرلمان، فتكون من هذه الزاوية غير دستورية، ومن زاوية المنـازعات الإداريـة منعدمة، وحسب قانون العقوبات في مادته 117 فإن هذا التجاور يعد جريمة يعاقب عليها بالحبس المؤقت من 05 إلى 10 سنوات، وعلى ذلك، فالمحكمة العليا متمثلة في غرفتها المدنية اعتمدت على مبدأ التدرج القانوني للتمسك بفحص شرعية اللوائح، وهو مذهب جرئ ويفيد مقدرة اجتهادية عظيمة إذ يفتح المجال للرقابة القضائية على مشروعية اللوائح عن( طريق المبادئ العامة للقانون ) وهو ما نراه في الفرع التالي.
الفرع الثالث
وسائل القاضي لتوسيع رقابة مشروعية اللوائح
في إطار الدور القضائي المكرس دستوريا والمتمثل في حراسة المشروعية، فإن القضاء ينشئ ويبتدع من الوسائل ما توسع مساحة رقابته على أعمال السلطة العامة، وترتفع عنه القيود التي قام سابقا بوضعها على نفسه مما ضيق من المجال الدستوري الواسع للرقابة القضائية على الإدارة طبقا للمادة 139 من الدستور التي تنص على انه: "تحمي السلطة القضائية المجتمع والحريات وتضمن للجميع ولكل واحد المحافظة على حقوقهم الأساسية" والمادة 143 التي تنص على انه : " ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية " فالمجال الدستوري للرقابة القضائية واسع، لكن القضاء ضيق على نفسه من خلال قيود ابتدعها ومنها نظرية أعمال السيـادة، التي كانت من إنشـاء القضاء الفرنسي، واعتنقها لاحقا القضاء الجزائري. وفي فترة لاحقة انتبه القضاء إلى ضيق مجال رقابة على الإدارة وصار يبتدع وسائل لتوسيعه، ومن هذه الوسائل الاستناد إلى القواعد الدستورية لبسط رقابة المشروعية على اللوائح الإدراية (أولا) وكذلك المبادئ العامة لقانون(ثانيا).
-أولا: الرقابة القضائية بالاستناد إلى القواعد الدستورية:
حسب بعض الفقه ومنهم الأستاذ favoreu أنه من الناحية المنطقية لا يوجد مانع من الاستناد إلى نصوص الدستور لتأسيس الدعاوى الإدارية المختلفة إذ يقول :
« Les normes constitutionnelles ne sont pas utilisée dans le procès administratifs , non pas parce qu’ elles sont utilisables , mais parce que doctrine , juges et avocats pensent qu’elle , son inutilisable » ( )
وبالرجوع لاجتهادات مجلس الدولة الفرنسي فإننا نجده لجأ في عدة مناسبات إلى القواعد الدستورية أثناء رقابة المشروعية لكنه يتقيد بمجموعة من الضوابط أهمها :
- بالنسبة لدعوى الإلغاء: لم يقبل مجلس الدولة الفرنسي دعوى الإلغاء التي تتأسس على وجه عدم دستورية اللائحة محل الطعن لوجود اختصاص مانع للمجلس الدستوري في هذا المجال .
- بالنسبة لدفع بعدم الدستورية: هل يمكن استبعاد تطبيق لائحة أثناء النظر في دعوى إدارية نتيجة الدفع بعدم الدستورية ؟
بصدد هذا السؤال، رفض مجلس الدولة قبول هذا الدافع اعتمادا على نفس الحجة، وهي أن رقابة الدستورية اختصاص مانع للمجلس الدستوري، لكن تيارا فقهيا ظهر بفرنسا يتزعمه كل من ليون دوجي وموريس وهوريو وجيز ينتقد هذا المسلك القضائي ويدعوا لقبول هذا الدفع .
ولو أعملنا مبدأ تدرج القواعد القانونية لقلنا بضرورة استجابة القضاء الإداري لهذا الدفع، والفصل فيه بما يؤكد خضوع القواعد التشريعية واللائحية للدستور، فيكون القضاء وهو يمتنع عن تطبيق القواعد التشريعي المخالفة للدستور، في إطار ممارسة وظيفته في تطبيق القانون والرد على الدفوع وليس ممارسا للرقابة على دستورية القوانين .
-بالنسبة لدعوى فحص المشروعية: وبموجبها يقوم القاضي بمعاينة اللوائح المعروضة عليه من حيث الأركان التي تقوم عليها، ليصرح بمشروعيتها إذا جاءت مواجهة للقواعد القانونية الأسمى منها دستورية كانت أم غيرها، أو العكس إذا كانت غير ذلك، وباعتبار القواعد الدستورية في قمة الهرم القانوني في الدولة فإنه من الواجب على مجلس الدولة التصريح بعدم مشروعيته اللائحة المخالفة للدستور.
ثانيا: توسيع الرقابة القضائية بالاستناد للمبادئ العامة لقانون:
إن الملاحظ مما سبق، أن نظرية الاختصاص المانع للمجلس الدستوري برقابة دستورية اللوائح من اختراع القضاء الإداري الفرنسي، ولذلك فهو الأقدر على إيجاد الآليات والنظريات الكفيلة بالتخلص من القـيود المترتبة عنها، بمـا يسمح للقضاء الإدراي بقـبول دعوى إلغـاء اللوائح المخالفة للدستور، وتوسيع مجال هذه الرقابة، فما هي هذه الآليات؟
بالرجوع إلى القضاء المقارن وخصوصا الفرنسي، نجد أن مجلس الدولة الفرنسي كرس نظرية المبادئ العامة للقانون باعتبارها وسيلة لتوسيع مجال رقابته على اللوائح، وبالتالي التحرر من قبضة الاختصاص المانع للمجلس الدستوري برقابة دستورية اللوائح، ولذلك اعترف مجلس الدولة الفرنسي بالقيمة الدستورية لبعض المبادئ العامة للقانون( ) ، كما سبق تفصيله، وهو ما يصلح اعتماده من قبل القضاء الجزائري لتشابه المعطيات الدستورية والقانونية في النظامين الفرنسي والجزائري، ولذلك نتساءل عن الدور الذي تلعبه المبادئ العامة للقانون ذات القيمة الدستورية في إطار الرقابة على مشروعية اللوائح في الجزائر ؟
لقد كان الدافع وراء الاعتراف بالقيمة الدستورية لبعض المبادئ العامة للقانون هو بسط القضاء في لرقابته على دستورية اللوائح المستقلة من جهة (I) والأوامر التشريعية من جهة أخرى (II) .
-Iالمبادئ العامة للقانون كأساس للرقابة على دستورية اللوائح: لقد أعلن الفقه الفرنسي انزعاجه من المادة 37 من دستور 1958 وهي المقابل للمادة 125 من دستور 1996 الجزائري، لكونها تندرج ضمن الاختصاص المستقل للسلطة التنفيذية وفي نطاق واسع، فالسلطة التنفيذية تختص بإصدار اللوائح دون الاستناد للقانون ولا خضوع لرقابة البرلمان، ولا يجوز لهذا الأخير التشريع في هذا المجال، ومع انزعاجه بحث الفقه عن التقنيات اللازمة لفرض رقابة موضوعية على محتوى ومضمون تلك اللوائح المستقلة من جانب القضاء الإداري، ونظرا لعائق الاختصاص المانع للمجلس الدستوري بالرقابة على الدستورية لم يجد الفقه بدا من إضفاء الطابع الدستوري على بعض المبادئ العامة للقانون، وذلك للاعتماد عليها لاحقا لتفعيل رقابة القاضي الإدراي على دستورية تلك اللوائح، ذلك أنه إذا كانت تلك المبادئ العامة لها قوة القانون فإنه لا يوجد ما يمنع السلطة التنفيذية من مخالفتها أثناء وضعها للوائح المستقلة، وهو ما يفرض الارتقاء بها لتصبح لها قيمة دستورية، فإذا خالفتها تلك اللوائح صارت مشوبة بعيب عدم المشروعية، ويتعين بالتالي على القاضي الإداري التصريح بإلغائها.
-IIالمبادئ العامة للقانون كأساس للرقابة على دستورية الأوامر التشريعية:
وهذه الأوامر تصدر عن رئيس الجمهورية في المجال غير المخصص للقانون طبقا للمادة 124 من الدستور، ولكنها رغم ذلك لا تعدو كونها أعمالا إدارية طبقا المعيار العضوي، فكيف فعل القضاء الإداري لبسط الرقابة على دستوريتها ؟
لقد رأى أن الاحتفاظ للمبادئ العامة للقانون بقيمة القانون، لا تخوله مثل هذه الرقابة، ولذلك اعترف القضاء الإدراي وأيده في ذلك الفقه بالقيمة الدستورية لبعض المبادئ العامة للقانون، وهو ما مكنه عند مخالفة تلك الأوامر لهذه المبادئ التصريح بعدم مشروعيتها وبالتالي إلغائها .
وهو ذات المنطق الذي يمكن تكريسه في الجزائر على الأوامر الصادرة طبقا للمادة 124 من دستور 1996 قبل عرضها على البرلمان أو التي لا يمكن تصور عرضا عليه، إذ تبقى مجرد أعمالا إدارية ومن ثم يمكن للقاضي بسط رقابته عليها اعتمادا على المبادئ العامة للقانون، ومنها مبدأ تدرج القوانين وهذه المبادئ يخلقها القضاء الإداري، مستلهما إياها من المرجعية الدينية والاجتماعية والسياسية للمجتمع، وبالاستناد على مقدمات الدساتير والمواثيق وإعلانات الحقوق، وأنه يصلح للقضاء الاستناد عليها لتقرير اختصاصه برقابة مشروعية الأوامر واللوائح المستقلة، رغم تكريس محتوى هذه المبادئ في نصوص الدستور صراحة، فالقاضي يعتمد عليها كمبادئ عامة للقانون لا باعتبارها نصوصا دستورية.
ومن الضروري التساؤل عن موقف القضاء الإداري الجزائري بخصوص هذه المسألة ؟
لا توجد سابقة قضائية يمكن الاستناد عليها للإجابة عن التساؤل المطروح بخصوص رقابة القضاء الإداري لدستورية اللوائح المستقلة، أو الأوامر التشريعية، اللهم إلا قرارا صادرا عن مجلس الدولة بتاريخ 27/07/1998( ) استند فيه المجلس للفصل في طعن من اجل تجاوز السلطة إلى المبادئ العامة للقانون، وذلك أن قاض صدر ضده قرارا بالعزل من المجلس الأعلى للقضاء مجتمعا في هيئة تأديبية، فقرر مجلس الدولة أن يقبل دعوى الإلغاء ضد هذا القرار مستندا إلى مبدأ عام للقانون سبق لمجلس الدولة الفرنسي أن استنبطه في قضية: Dame La motte ( ) الشهيرة وهو مبدأ عدم حصانة أي قرار إداري ضد رقابة الإلغاء، ولم يستند إلى نص المادة 143 من الدستور التي تصلح أساسا لحكمه نظرا لعمومية صياغتها والتي جاءت في الشكل التالي: "ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية " وهو الموقف الذي أصر عليه مجلس الدولة الجزائري حين أعيد عرض نفس النزاع عليه للمرة الثانية بتاريخ 28/01/2002( ) إذ جاء في الحيثيات: "حيث وبدون حاجة إلى فحص كافة الأوجه المثارة بما في ذلك الوجه المأخوذ من المادة 100 من القانون الأساسي للقضاء الذي قد فصل فيه القرار السابق مصرحا باختصاصه باسم المبادئ العامة للقانون بأن مقرر المجلس الأعلى للقضاء المستأنف هو مقرر غير قانوني لأكثر من سبب " وفضلا عن ذلك استند المجلس إلى مبدأ آخر وهو ما قرره في حيثية أخرى جاء فيها: "المجلس الأعلى للقضاء بكامل هيئته التأديبية قد أهمل الأخذ بعين الاعتبار المبدأ العام للقانون القاضي بأنه لا يمكن الفصل مرتين في قضية بنفس الوقائع" وعلى ذلك فإن المبادئ العامة للقانون يمكن أن تلعب أدوارا عدة في حماية المشروعية، فهي تحل محل القانون الغائب بالنسبة للوائح المستقلة والأوامر التي تضعها السلطة التنفيذية دون ما استناد إلى قانون، فتجيء هذه المبادئ لتحل محله، كما أنها تسمح للقضاء الإداري ببسط رقابته الفاعلة على تلك الأعمال الإدارية وتضمن إخضاعها لسيادة القانون، إذ بالاستناد لهذه المبادئ العامة يخضع القاضي الإداري اللوائح المستقلة التي يصدرها رئيس الجمهورية طبقا لنص المادة 125 من الدستور لرقابته سواء من حيث الشكل و الاختصاص أو من حيث المضمون، كما تصلح أساسا لرقابة القاضي الإداري للأوامر الصادرة عن رئيس الجمهورية في ظل عدم فعالية آليات الرقابة الدستورية، هذا إضافة إلى إمكانية الاستناد لهذه المبادئ العامة لإعادة النصوص القانونية التي تتضمن أحكاما تتنافى مع القواعد الدستورية أو مع قيم المجتمع ومرجعياته الأساسية إلى حظيرة المشروعية، وذلك عن طريق تفسير تلك النصوص القانونية بواسطة المبادئ العامة للقانون تفسيرا ضيقا، بما يجعلها تحمل معنى موافقا لأحكام الدستور وقيم المجتمع، ولذلك فالقضاء يبدو وكأنه يراقب القوانين تحت ستار تفسيرها بالاستناد للمبادئ العامة للقانون ( ).
وتلخيصا لما سبق تقريره بشأن دور القضاء الإداري في رقابة دستورية اللوائح الصادرة عن السلطة التنفيذية، سواء بالاستناد إلى نصوص الدستور أو إلى المبادئ العامة للقانون، فإنه من اللازم التقرير بان اللوائح بطبيعتها ومهما كانت مجرد قرارات إدارية، وقاضيها الطبيعي هو مجلس الدولة، ومن ثم كون نظرية المبـادئ العـامة للقـانون ملاذا لمجلس الدولة لاستعادة اختصاص جوهري انتزع منه أو تنازل هو عنه بغير حق ( ).

الخاتمة

من خلال هذه الدراسة تتبدى أمامنا مفارقة عجيبة مفادها ذلك البون الشاسع بين النظرية والممارسة:
- فمبدأ التدرج القانوني في التنظير – مضمونا ونتائج – يتيح المجال واسعا للطموح والأمل في تحقيق دولة القانون وتجسيدها، لأنه يقدم بالفعل ضمانا أكيدا لخضوع كل النشـاطات العامة للقانون، وذلك بما يضعه من قيود عليها وما يرتبه من جزاءات على تجاوزها .
- وأما في الممارسة، فتكشف الحالات العديدة والخطيرة للتعارض بين التشريعات المتفاوتة في مرتبتها الإلزامية عن تهرب القضاء – وهو السلطة الرقابية الحامية للشرعية في الدولة – من مواجهة المشكلة وتطبيق المبدأ، فلا نجد حالة واحدة تمسك فيها القاضي الجزائري باختصاصه الرقابي على دستورية القوانين ولا للتطبيق المباشر للنص الدستوري، فيما نجد مناسبتين فحسب لتكريس القضاء الجزائري سمو الاتفاقيات على القوانين وإحدى هاتين الحالتين تمثل خطأ فادحا لتعلقها بالميدان الجزائي الذي يقوم على مبدأ الشرعية في التجريم والعقاب بما يخرج المعاهدات من هذا الميدان طالما لم تكرس في قواعد تشريعية صادرة عن البرلمان، والمناسبة الثانية إنما يتعلق الأمر بقانون سابق للمصادقة على المعاهدة، فنكون أمام حالة عادية لإلغاء النص اللاحق للنص السابق أكثر مما نكون أمام رقابة سمو المعاهدات، ولا نجد إلا قرارين فحسب للمحكمة العليا تتعلقان برقابة القضاء العادي لمدى مطابقة اللوائح التنفيذية للقوانين الصادرة عن البرلمان، وكليهما تتعلق بنفس المسألة حيث أعلنت المحكمة العليا صراحة تطبيقها لمبدأ تدرج القوانين وأثارته تلقائيا وحددت بدقة مضمونة ونتائجه، وهو ما يمثل بحق سابقة قضائية جديرة بالتنويه والإشادة.
وفي نفس الإطار كانت مناسبة الطعن في قرار العزل التأديبي الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء ضد احد القضاة الفرصة المواتية لمجلس الدولة، الذي أصدر قرارين حول نفس القضية تجسدان جرأة القاضي الإداري في الخروج عن النص التشريعي إذا كان مجافيا للمبادئ العامة للقانون باعتبارها ذات طبيعة دستورية، ذلك انه اعتمد مبدأ المساواة المكفولة دستوريا لرفض إعمال حصانة قرارات المجلس الأعلى للقضاء في الميدان التأديبي رغم أن النص التشريعي صريح على حصانتها ضد أي طعن.
إنه مما لا شك فيه أن هذه المناسبات رغم قلتها تكشف عن استعداد من القاضي الجزائري للحاق بركب القضاء المقارن، وتكريس مبدأ التدرج القانوني، والتكفل بانشغال إكمال التشريع وتحقيق انسجامه بما يجعل القضاء بحق حاميا للشرعية وضامنا للحقوق والحريات، وهذا ليس معناه أن القاضي الجزائري قد بلغ النضج الكافي في هذا المجال إذ لا يعكس اجتهاده غالبا هذا المبدأ الجوهري فهل معنى ذلك أن القاضي الجزائري يحجم عن الاجتهاد لنقص في الكفاءة أو الشجاعة ؟أم أن في ذلك اقتناع منه بانحصار دوره في تطبيق القانون دون التعرض لصحته ؟ولماذا تخلو أحكام القضاء الجزائري خلافا للقضاء المقارن في التسبيب من مسألة التعارض القانوني ؟ وبعبارة أخرى لماذا لم يهتم القاضي الجزائري بالوقوف على حالات النقص والعيب والتعارض في التشريع ؟ ألا يعد اجتهاد القاضي بما يكمل النقص ويصلح العيب ويزيل التعارض هو وسيلته الوحيدة لتحقيق العدالة وهي مبتغى القاضي وهدفه الوحيد ؟
من الواضح أن تقييم أي نظام قضائي لابد أن يمر عبر قناة من التساؤلات، والتي يتوجب على القضاة مواجهتها وتقديم الإجابات التي ترضى ضمائرهم عنها، ولعل التساؤلات سالفة الذكر بعضا من تلك الأسئلة التي يجب على القضاة مواجهتها، وقد تكون هذه المذكرة فاتحة لهذا الباب .
حمل من هنا